ترنيمة محبة

مزمور 45: 1-5
لإِمَامِ الْمُغَنِّينَ. عَلَى «السُّوسَنِّ». لِبَنِي قُورَحَ. قَصِيدَةٌ. تَرْنِيمَةُ مَحَبَّةٍ.

كثيرة هي المزامير التي تمت كتابتها من وحي الله لعبده داود، ولكن هذا المزمور له ميزة خاصة لانه يتكلم عن ولشخص واحد ألا وهو الرب يسوع ملك الملوك ورب الارباب. إنها ترنيمة محبة كما جاء في العنوان.

1 "فَاضَ قَلْبِي بِكَلاَمٍ صَالِحٍ. مُتَكَلِّمٌ أَنَا بِإِنْشَائِي لِلْمَلِكِ. لِسَانِي قَلَمُ كَاتِبٍ مَاهِرٍ".

فَاضَ قَلْبِي بِكَلاَمٍ صَالِحٍ. لا يوجد احلى من فيض كلام القلب المكرّس للرب. الترانيم التي ليست من القلب المكرّس هي اهانة للرب، لاننا إنما نرنم من تاليف غيرنا وليس من فيضان قلبنا له.

مُتَكَلِّمٌ أَنَا بِإِنْشَائِي لِلْمَلِكِ. القلب الصالح يكون مليئ بافكار صالحة وينبوع ينبع منه الكلام اللذيذ الصالح لاذن للرب. يكون ذلك القلب يغلي مثل الماء في الوعاء يريد أن يفيض من كثرة الحرارة لمحبة الرب. القلب البارد لا يخرج منه اي تسبيح ولا اي كلام صالح. بل ما يقال يكون بارد وغير لائق بالملك المسيح. يكون الوضع محزناً عندما يكون القلب باردا في الكلام الصالح، ويكون اسوء عندما يكون ساخنا في امور رديئة. يا ليت قلوبنا تكون مثل الوعاء الذي يغلي بكلام التقدير والاعجاب. موضوع هذا المزمور هو الملك وحده وله تم كتابته من فيضان قلب الكاتب. وهذه الكلمات هي من افضل تفكير عنده، ليس كلام منقول بدون تفكير او جهد. العمل الجيد يحتاج الى مجهود كبير.

لِسَانِي قَلَمُ كَاتِبٍ مَاهِرٍ. الكاتب لم يقتبس من اي مكان لكنه جلس بهدوء وتامل وتفكير مشغِّلاً كل ذرة من كيانه ليكرسها بانشاد مديحه للملك، من كل جوارحه الجياشة بالتقدير والمحبة الدافئة المتعجبة المفعمة مما وجدت لتكتبه. هكذا يمكننا أن نصف مهارة الكاتب لهذا المزمور، ليست كتابة لتسويقها للناس بل هي للتسبيح والسجود للملك، إنها ترنيمة وتسبيحة محبة.

2 "أَنْتَ أَبْرَعُ جَمَالاً مِنْ بَنِي الْبَشَرِ. انْسَكَبَتِ النِّعْمَةُ عَلَى شَفَتَيْكَ،"

أنت: وكأنه رأى فجئة الملك امامه فيبدأ بوصفه، وضاع في انبهاره بشخص الملك الذي يراه. تحول من مجرد الحديث عنه ليتحدث الى مخلصه مباشرة. اعين القلب المكرّس الصادق ترى اكثر واعمق من اعين الراس المجردة. الرب يسوع يظهر لنا اكثر عن ذاته عندما نسكب قلوبنا أمامه. عندما تكون قلوبنا مستعدة يظهر لنا المسيح بعين الايمان. إذا كانت قلوبنا حارة تجاهه، فهذا دليل على أن الشمس تشرق علينا، عندها نتمتع بدفئه، فلا بد أن نرى نوره.

أَبْرَعُ جَمَالاً مِنْ بَنِي الْبَشَرِ. نعم انه بارع بجمال شكله ولكن اكثر بصفاته ومحبته كمخلص. عندما نغوص بتفكيرنا فيه لا نرى غير الجمال في صفاته الرائعة الجميلة ونتمتع في حضورنا معه، نراه اكثر جمالا عندما نراه مرتبطا بعروسه الكنيسة، الذي فداها بدمه. هو الذي عندما عاش على الارض كان يجذب الناس اليه كالمغنطيس القوي بسبب كماله البارع، محبته العظيمة، حنانه الذي سخَّر السماء لمعونة بني البشر، تعامله اللطيف وغفرانه الذي لم تحدده خطايانا بل فاق كل ما يعرفه الانسان عن التعامل بلطف.

انْسَكَبَتِ النِّعْمَةُ عَلَى شَفَتَيْكَ، عندما يختلط الجمال وبلاغة وحلاوة الكلام في نفس الشخص يكون حلقه حلاوة وكله مشتهيات كما الرب يسوع الذي فيه نجد قمة الجمال والبلاغة (فصاحة الكلام).  منه كان يصدر بل ينسكب كل كلام النعمة حتى بلغت القمة في شخصه. كلامه كان دائمة مصلحاً بملح النعمة يخرج من فمه ليحيي وينعش احبائه. لم يكن كلامه ليهين اي شخص، أو ليقتل أي شخص بل كان بحنانه وكلماته يسند الضعيف والمنكسري القلوب التعابا والحزانا يغفر للمذنب والخاطئ، كان يعطي الرجاء للذين بلا رجاء في العالم، كلامه احيا الموتى وشفى المرضى واخرج الشياطين. كان كل هذا ينسكب على شفتيه بلا عناء لان هذا من طبيعته القدوسة. ما أروعه من مخلص. لِذلِكَ بَارَكَكَ اللهُ إِلَى الأَبَد. لانه النعمة انسكبت على شفتيه، باركه الله، كان اهلا لكل بركة وهذه البركة ابدية من الأب للمسيح. وهذا سبب اكبر لجماله في اعين احبائه. وباتحادنا معه اعطانا الاب رعبون البركات التي ستكون من نصيبنا في المجد.

3 "تَقَلَّدْ سَيْفَكَ عَلَى فَخْذِكَ أَيُّهَا الْجَبَّارُ، جَلاَلَكَ وَبَهَاءَكَ". تقلُّد السيف يظهر الجلال والبهاء والمجد والجبروت والشجاعة، ويعني أيضاً الاستعداد للحرب، والسيف هنا هو كلمة الله التي هي امضى من كل سيف ذي حدين، وضعها على الفخذ دليل الاستعداد عند الحاجة، وهذا أيضا دليل القداسة التي لا تقبل بالتعليم الخاطئ المُعادي لكلمته والمنتشر في عالم الفساد الديني المعاصر. بسيف الكلمة حارب ابليس وغلبه، بسيف الكلمة نحن ايضاً نحارب وننتصر. وعلينا أن نتقلده دائما بواسطة حفظ نصوص كلمة الله باستمرار. هذا يبرز جلال ملكنا فينا.

4 "وَبِجَلاَلِكَ اقْتَحِمِ. ارْكَبْ. مِنْ أَجْلِ الْحَقِّ وَالدَّعَةِ وَالْبِرِّ، فَتُرِيَكَ يَمِينُكَ مَخَاوِفَ". المرنم يدرك انه بهذا السيف الذي يتقلده على فخذه مستعداً يستطيع هو ان يقتحم وكر العدو ويهزمه ويحرر النفوس الاسيرة المستعبدة لابليس. وهو يتقلد السيف ويركب على الخيل علامة الجبروت والقوة والشجاعة التي يعطيها السيف الحاد وركوب الفرس. ولكن كل هذه ليست مجردة من الحق والدعة والبرّ التي اتى بها الرب يسوع عند تجسده وفعلا بجسده المرفوع على الصليب دحر كل قوى الجحيم. هذه الصفات الثلاثة هي التي تعطيه الصلاحية والامتياز في الانتصار على عدوّنا.

فَتُرِيَكَ يَمِينُكَ مَخَاوِفَ: عندها النصر اكيد. كثيرون ممن يحاربون لاسباب فانية تكون حربهم خاسرة في النهاية. لكن حربنا يجب أن تكون بحق الكلمة وبوداعة وبرّ المسيح، بعيدين عن كل هدف أو مكسب مادي.

5 "نَبْلُكَ الْمَسْنُونَةُ فِي قَلْبِ أَعْدَاءِ الْمَلِكِ. شُعُوبٌ تَحْتَكَ يَسْقُطُونَ". يستطيع ملكنا أن يستعمل كل انواع السلاح للمحاربة. كما أن السيف للمحاربة من قريب فالنبال (أي اصغر انواع السهام) هي للمحاربة من بعيد، سهامه لا تخطئ بل تدخل الى صميم قلب اعدائه ولا تصيب الرأس لانه لا يريد اهلاك الانسان بل يريد أن يصيب القلب لكي يتغير، ونباله لا تخطئ ابداً. لانها مسنونة وحادة جداً وهو محترف في  التصويب الى القلب مباشرة وهذه الضربة تجرح عميقاً ولا يمكن نسيانها، إن قَبِل الانسان أم رفض. ولكنه هو وحده الذي يعطي الشفاء من الجرح. لمن يقبله مخلصا، للذين يخضعون ويطيعون الايمان سيكون شفاء ولكن الذين لا يطيعون كلمته الحادة ويعصونه يكون جرح قلبهم مميتاً ولا شفاء منه فسيسقطون تحت دينونته العظيمة التي لا مهرب منها. تعال الى الملك العظيم في خضوع تام لان النصر منه، ففيه انت منتصر على كل ضيق وتجربة. آمين