مقتطفات من الموعظة على الجبل

من الموعظة على الجبل – متى ١٣:٥-١٦

"أنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ، وَلكِنْ إِنْ فَسَدَ الْمِلْحُ فَبِمَاذَا يُمَلَّحُ؟ لاَ يَصْلُحُ بَعْدُ لِشَيْءٍ، إِلاَّ لأَنْ يُطْرَحَ خَارِجًا وَيُدَاسَ مِنَ النَّاسِ. ١٤ أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ. لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُخْفَى مَدِينَةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلَى جَبَل، ١٥ وَلاَ يُوقِدُونَ سِرَاجًا وَيَضَعُونَهُ تَحْتَ الْمِكْيَالِ، بَلْ عَلَى الْمَنَارَةِ فَيُضِيءُ لِجَمِيعِ الَّذِينَ فِي الْبَيْتِ. ١٦ فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ.
لقد دُعيت الموعظة على الجبل ب «دستور ملكوت السماوات» وهذه التسمية اتت من كلمات التلمذة التي وجهها الرب يسوع إلى تلاميذه والتي قالها في الأعداد ٣ و ١٠ و١٢ و١٩ و٢٠ و٤٥ و٤٨). لقد بدأ الرب موعظة دستور ملكوت السموات بكلمات التطويب من أجل تشجيع وتعزية الإنسان المسيحي المؤمن في حياته هنا على الأرض كي يستمر في حياة مميزة لأجل الله.
والآن نريد أن نتأمل بأثنتين من هذه النقاط الكثيرة في دستور ملكوت السماوات.  
نعرف أن الرب يسوع استعمل دائما اللغة المجازية لكي يشرح الأمور الإلهية الروحية، وهذه بعض منها:
أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ. لماذا يقول لنا الرب أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ؟ هل نحن حقا ملح أم كالملح؟ الجواب هو أننا لسنا بملح ولكن لنا مفعول الملح في الحياة على الأرض ووسط الناس. والذين يقصدهم بقوله هذا هو، أنتم (المؤمنين)، أي لكم مفعول الملح في الأرض كما يكون للملح مفعوله في الأطعمة.
لنتفكر في بعض مزايا استعمال الملح في حياتنا اليومية: فمثلاً تأخذ ربة البيت الملح لتنقي به بعض الأواني، ولحفظ الخضروات من التلف لمدة طويلة بما نسميه المخللات أو المكابيس، ولتزكية الأطعمة عند الأكل، يوضع الملح في الخبز كما في الطعام أيضاً وللحفاظ على اللحوم والأسماك ومنتجاتها من التلف خصوصا عندما لا يكون هناك برادات. يُستعمل الملح في الصناعات أيضاً مثل تلميع المعادن والصخور. ولكن لننتبه، إن زيادة الملح أكثر من الازم من شأنه أن يصبح غير مرغوب فيه بل ومزعج أيضاً، لأن إستعماله الزائدة أو إستعماله بما لا يناسب يسبب كرها للشيء الذي استُعمل فيه، فنحن مثلاً لا نستعمل الملح في الأشربة الحارة أو الباردة.
إن مفعول الملح يكون أفضل عندما يذوب ويختلط بالمواد الأخرى، عندها لا يكون للملح أي لون لنراه عند استخدامه في أي شيء، لكن هذا لا يبطل مفعوله بل يزيده فعالية.
هكذا المؤمن أيضا في كثير من المواقف في حياته يكون كالملح الذي ينقي ويحفظ ويزكّي الحياة، يصقل ويلمِّع محيطه، لكن لننتبه أنه إذا زاد الشخص في محاولة تأثيره يصبح مصدر إزعاج بدل أن يكون مُزكياً. لذلك من المناسب عندما نكون في وسط المجتمع أن لا نفرض أنفسنا على غيرنا ونطلب منهم التماثل بنا وهم غير مؤمنين، لان هذا يبطل مفعول المؤمن ويصبح غير مرغوب فيك فيما بعد، بل أن تذوب في المجتمع وتختلط بالناس وتمارس حياتك كأولاد الله وتتعامل مع الناس وأمور الحياة بوصايا الرب وأن تختفي بنفسك وتجعل شهادتك تُظهر المسيح بدل أن تظهر أنت، أي أنك في وسطهم غير مُميّز ولكن بتأثيرك ومفعول روح الله، هذا يكون واضح ومرغوب فيه وملاحظ. في هذه الحالة يتسائل الناس، لماذا أنتم مختلفين عنا؟ عندها يكون لك الفرصة لتخبرهم عن سبب الرجاء الذي عندك ونأتي على ذكر الرب الذي يغير من الداخل إلى الخارج.
أما النقطة الثانية فهي عندما قال الرب: «أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ. لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُخْفَى مَدِينَةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلَى جَبَل، 15 وَلاَ يُوقِدُونَ سِرَاجًا وَيَضَعُونَهُ تَحْتَ الْمِكْيَالِ، بَلْ عَلَى الْمَنَارَةِ فَيُضِيءُ لِجَمِيعِ الَّذِينَ فِي الْبَيْتِ. 16 فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ.»
هنا في هذا المقطع الذي فيه يصف النور واستعماله، يختلف الأمر عن الملح واستعمال. فبينما نحن بمفعولنا كملح نكون مختفين والمسيح ظاهر فينا، لكن في كوننا نور العالم يجب أن نكون ظاهرين ومُلاحظين من الناس. هذا لا يعني أنك يجب دائما أن تُعلن أنك مؤمن وبسبب أنك مؤمن لا يمكنك الإختلاط بالناس بسبب خطيئتهم. لا بل ما يعنيه هنا هو أنك لو عشت حياتك بوضوح ونور تكون كالنور الذي عندما يشعّ يبدد الظلمة. وكلما اقترب الشخص من النور كلما تبدد الظلام، وكلما يزداد النور يتبدد الظلام أكثر. يمكن ايضاح ذلك بالسراج. المكان الصحيح للسراج هو في المكان المرتفع لكي ينتشر نوره لمحيطه. والتشبيه عن المدينة على الجبل التي لا يمكن إخفائها هو لكي يوضح لنا لزوم وضع السراج في مكان عالٍ.
هكذا حياة المؤمن التابع للمسيح يجب أن لا تخجل بإيمانك بل بتواضع عرِّف الآخرين عن إيمانك لكي لا يبقوا في الظلام في أمور الحياة. وبِّخ إنتهر وعِظ. وإليك بعض الأمثلة على ذلك:
في المدرسة كيف تتصرف عندما يتصرف باقي التلاميذ بطرق معوجة، هل تتأقلم مع تصرفاتهم أم أنك تمتنع عن مجاراتهم فيها؟ في البيت عندما يكون باقي الأهل غير المؤمنين، يشتمون ويحلفون القأقسام ويفتخرون بأعمال الظلمة، هل تتصرف بشكل مختلف عنهم؟ في التعاملات التجارية هل تصرّح عن أرباحك كما يجب.
إن التصرف بالنور هو ما يبرز قدام الآخرين وكآنك تضع سراجك على المنارة، لكن التماثل بأهل العالم وبتصرفاتهم، يُشبه السراح الموضوع تحت المكيال.
الرب يسوع في موعظته الشهيرة هذه يضع دستور خاص لأتباعه وعلينا أن نسلك بحسبه. هذا لا يعني أننا لا ننحرف عن المسار الصحيح أحياناً، لكن علينا أن نعترف ونتوب ونصحح مسارنا، لكي يزداد تدربنا على الصدق والامانه في حياتنا بين الناس هذا ما يعنيه المسيح بكلمات، «فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" وفي الختام، تقول لي لا يمكن لأحد أن يكون كاملاً. لكن الرب قال في هذا الإصحاح من موعظته، الكلمات التالية:  فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ». فإن هو قال هذا، فذلك ممكن. لنكن نور العالم في كل شيء لكي نرضي من خلصنا.