...وسيسير على السحاب

سار الكثيرون مع الربّ.
بل سار الربّ معهم وأمامهم وحولهم.
سار مع احنوخ وابراهيم ودانيال و…
وسار الربُّ مع موسى, ورنَّم موسى وسبّحَ, ووقف هذا الشّابّ أمام فرعون العظيم مُتحدّيًا
بقوّة ذراع الاهه, وقاد الشعب القديم من العبودية, قاده وهو يرنو الى هناك, إلى الجبال , إلى الأرض التي تدِرّ ُلبنًا وعسلاً, إلى أرض الموعد, قاده وهو يتوق إلى لقاء الله في أرضه …ولكنه وفي خِضمِّ العُبور , أبى الاّ أن يسقط ويتعثّر, وكيف لا يكون هذا, وهو طين وتراب؟! فضربَ الصّخرة, صخرة الماء الحيّ, أكثر من مرّة, مُخالفًا أوامر الربّ.
وجاءت المحبّة الإلهية الضافية, لتقول: سترى ارض الموعد من بعيد, وستبقى عبدي الذي أحبُّ, الذي يكتب توراتي وناموسي.
وسار داوود مع الربّ…
وسبَّحَ, وغنّى , ورنّم َوملأ الدُّنيا تسبيحًا, ورقص أمام تابوت العهد… ولكنه تعثّر أيضاً وسقط, أليس هو الآخر طين وتراب , أليس أنّه من ذرّية آدم الساقطة؟ فها هي بتشيبَع تسرق عفته وطهارته، بل هو الذي فعل ذالك, وها هو ينقاد خلف الشهوة الخاطئة  فيقعُ, ولكنه يقوم ويملأ  الدنّ دموعًا، وأجواء الشّرق أشعارَ توبةٍ.
ما أروع أن نسير مع الربّ, وما أجمل أن يسير معنا, يتقدّمنا تارة, وأخرى يجول من حولنا.
يُحكى أنّ أحد المؤمنين سار مع الربّ, فاكتنفته الطمأنينة, والتفت الى الوراء فرأى آثار أربع أقدام على الطريق, فتأكّد أن الربّ يسير معه فاستكان كما الطفل في حِضن امّه, ودارت الأيام وهبّت العواصف وولولت الرّيح, فارتعدت فرائصه, وكاد يذوب خوفًا, فالتفت إلى الوراء فلم يرَ إلا آثارَ قدمين اثنتين, فصرخ: "الهي, الهي لماذا تركتني في وقت الضّيق, فانّي لا أراك, أرى على الأرض آثارا لقدمين فقط!!
فابتسم عريس الأجيال, وربّتَ على كتفه قائلاً: "أنتَ على منكبيَّ يا بُنيّ, وتلك الآثار هي لقدميّ أنا.
وسار الربُّ – ابن الإنسان- نحونا, سار نحو بطرس والتلاميذ, سارَ على المياه الهائجة, سارّ ثابًا , واثقاً, مُبتسمًا, هادئاً.
"وفي الهزيع الرابع من الليل, مضى اليهم يسوع ماشيًا على البحر, فلمّا أبصره التلاميذ ماشيًا على البحر اضطربوا  قائلين, انّه خيال, ومن الخوف صرخوا, وللوقت كلّمهم يسوع قائلا: "أنا هو لا تخافوا".
وسار بطرس على الماء الى الربّ وبأمر منه, سار مُثبّتًا أنظاره إليه وعليه, سار هادئًا واثقًا, ولكنه وفي وسط الطريق, التفت إلى الوراء, وكأنه غير مُصدّق, التفت والريبة تحتلّه, والشّكّ يأكل أعصابه, فكاد يغرق, بل غرق وهو البحّار الأول وقيدوم التلاميذ, فصرخ: "يا ربّ نَجني".
وأقالَ الربّ عثرته, وأمسكَ بيمينه وبيميننا وما زال, ولكنّ هذا البحّار المغوار, عاد وغرق مرّةً أخرى في لُجّة الإنكار, إنكار سيّده في ليلة ليلاء ماطرة قارسة البرد… ورحمه الربّ وسار نحوه.
سار الربُّ ويسير واثقًا, ونسير نحن معوجين, شاكّين, ساقطين.
وعُلِّقَ الماشي على الماء والمهدئ للعاصفة, عُلّق ما بين الأرض والسماء لأجلنا. وما زال يصرخ: "لا تخافوا هاأنذا… تشجعوا لن أترككم يتامى".

واليوم ننتظر هذا المُعلّق على الصليب والمُقام بمجدٍ, ننتظره وعيوننا ترنو إلى فوق, لنراه هذه المرّة ماشيًا على السّحاب
بقلم زهير دعيم