صفحة 5

عملت ما عندها!

نقرأ مقطع من الإنجيل بحسب البشير مرقس والفصل 14 من عدد 3-9

نجد في هذه القصة درساً مفيداً لحياتنا يجدر بنا الإنتباه له، ولكن ابدأ بمقدمة عن الوضع الذي جرت فيه القصة:

مقدمة: المكان بيت سمعان الابرص! نعم سمعان كان ابرصاً وقد شُفي، ولكن مجرد اللقب "سمعان الأبرص"  يدلنا على أنه كان منبوذاً ويبتعد الناس عن بيته، ولكن بسبب دخول يسوع الى بيته، وهو المعلم، شجع الناس بأن يدخلوا هم ايضاً ورائه. يتكئ يسوع في مكان مرموق وقد كان محط أبصار جميع المجتمعين في البيت لأنهم لهذا تبعوه. لكي يسمعوه وربما يحالفهم الحظ ليروا اعجوبة تجري على يديه.

المرأة والقارورة: دخلت وسط الرجال، وقامت بما قامت به بدون استأذان أو إعتذار، عملت ذلك بكل جرئة مدهشة، لقد سلبت انتباه  الجمهور بدون أن تدري ذلك أو تقصده وأصبحت محط الأنظار من تللك اللحظة بسبب ما عملته، وبيقين من ثقتها انها تعمل ما هو مناسب، كسرت القارورة ولم تفتحها لكي لا يكن بالإمكان إعادة أي عطر الى داخلها بالاضافة إلى أنها لم يعد لزوما لإستعمالها بعد اليوم. ونلاحظ أن المرأة لم تعمل حساباً لأي شخص سوى واحد وهو الرب الذي أحبته من كل قلبها والذي صار الغالي رخيصاً في سبيل حبها له. لقد سكبت الطيب على راسه المجيد الوقور. ففاحت رائحته لتملأ المكان واشتمه الجميع. ففاحت رائحة حبها الصادق من المخلوق للخالق الذي احبها وما زال ذلك العطر يفيح. بعمل إمراة مكرسة كاملاً لمن أحبت، الرب يسوع. بعد ان تم لها ما ارادت من تنفيذ لعمل التفاني للرب، جلست لتلاحظ وتسمع الكلام والتعليقات المختلفة وتعليق الرب على فعلها، ولكنها لم تبالي، لانها عملت ما عندها.

ردة الفعل عند الحضور: اغتاظوا في انفسهم بسبب سكب الطيب كله على راس الرب يسوع. قالوا: "لماذا كان تلف الطيب هذا؟" في نظرهم كان سكب الطيب على راس الرب الحبيب اتلاف غير مقبول ولا يُرضى عنه. لقد بدأوا يحسبون القيمة المالية التي لهذا الطيب المَسكوب. قالو ان ثمنه 300 من الفضة وهذا مال كثير جدا. بينما ثمّن الجمهور قيمة نفس الرب يسوع ب 30 من الفضة فقط. اي حسابات غير عادلة يقوم بها الانسان؟ لقد قال الرب يسوع في قيمة الانسان ما يلي: "ماذا ينتفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه وأي شيئ يعطى فداءاً عن نفسه؟" أي ان قيمة النفس البشرية اثمن من كل العالم. فكم بالحري قيمة نفس الرب يسوع؟

رد فعل الرب: قال "اتركوها"، لا تزعجوها، لا تعكروا صفو افكارها وتأملها وتفانيها. إن ما عملته كان حسناً في نظري. الفقراء دائما سيكونون معكم ولكن انا ساترككم بالجسد ولا يمكن عمل هذا لي فيما بعد. عملته ليوم تكفيني، وكانه يقول انها عملت هذا بدافع معرفتها بما سياتي على من موت ودفن لجسدي. هل تنبأت بما سيكون؟ لا، بل بارشاد الروح القدس عملت هذا الشيء ذا المغزى الرمزي لموته على الصليب ودفنه الذي كان عتيداً ان يحصل له. وقال ايضا انها عملت ما عندها. لم تكن معلمة ناموس ولا كاهنة ولا خادمة هيكل، لم ياتي ذكر لاي من هذه الاعمال التي كانت مقتصرة على الرجال. عمل النساء لم يكن ولا مرة واحداً من الاعمال العلنية امام الجمهور. لم ينسب اي من الاعمال لهذه المرأة سوى توبتها واتباعها ليسوع. وهذه الحادثة في دهنه بالطيب. لم تطلب او تسعى الى اكثر من التعبير حن حبها بصمت، وعملها كان مرفوضاً من الناس. لكنها من اجله عملت ما عندها. عمل الرب الذي سيذكره لنا ليس بالضرورة أن يكون بارزاً وكبيرا، يكفي ان يكون نابعا من قلب محب له.

المكافئة المستمرة: لقد كافئها الرب على عملها هذا لكي لا يُنسى بان قال انه سيُخبر بما فعلته هذه تذكارا لها.

امهات كثيرات ربين اولاد في الايمان وقضين السنين الكثيرة يعملن في صمت وكد وتعب وصبر، ومع هذا كان لتربيتهم الفضل في تاسيس ايمان ومحبة قويين في نفوس ابنائهم، الذين اختارو خدمة سيدهم بطرق مختلفة، فنجحوا، اوصلوا بشارة ومحبة المسيح لكثيرون من الناس فاصبحوا ابطالاً بسبب امهاتهم. كان وراء خدمتهم وعملهم ام مكرسةً تكرّست لهذا العمل المقدّس في رعاية ابنائها وارشادهم في طريقه الرب وتعليمهم عن محبته وكلمته الثمينة والصلاة من اجلهم،

الله يبحث عن امهات يعملن بهدوء بعيدا عن الانظار والاضواء، ليستطعن تربية اولادهم افضل تربية في مبادئ وتعليم كلمة الله المقدسة. هذا هو الاستثمار الحقيقي لكل أم وكل سيدة وكل فتاة. ما اروعهن من عنصر فعال بصمت في كنائسنا إن فعلن هذا. وكما قال المثل العالمي المشهور: "وراء كل عظيم، أمٌ مكرسة لابنائها".

ليمنحنا الرب هذا الحب له، رجالاً كنا ام نساء، لكي نعطي ما عندنا بدون النظر حولنا، وبدون البحث عن الاضواء والشهرة والمال.

بمحبة الفادي

اخوكم، ابو باسل