خادماً أم مَخدوماً
لكاتبه ج. ه. هورسبرغ
«لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أَيْضاً لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ» (مرقس 10: 45).
ها هنا حقيقة عظيمة تتعلق بابن الإنسان. المتحدث هو ربنا يسوع نفسه. وبهذا، كما في كل الأمور، يضرب لنا مثلاً في كيفية إتباعنا الواجبة لخطواته.
إن الحادثة التي استدعت أن يقول هذه الكلمات هي حادثة محزنة. فاثنان من تلاميذه، وهما يعقوب ويوحنا، طلبا أن يَمنحهُما مكانةً مرموقة في ملكوته (مرقس 10: 35 – 37). عندما سمع الآخرون ذلك، استشاطوا غضباً، لأنهما كانا يريدان أن يُخدما بحصولهما على مركز الصدارة لنفسيهما. ولكن الرب يسوع استفاد من هذا الاهتياج لخيرهم. فاستغل الفرصة ليذكّر تلاميذه بأنهم ما كانوا من العالم، وبأن العلامة المميزة لهم يجب أن تكون تواضعهم واستعدادهم ليخدم كل منهم الآخر.
«دعاهم يسوع» (مرقس 10: 42). لاحظ عواطف الحنان والعطف هنا. لقد كان يخبر الاثني عشر عن نفسه – عن الخيانة المريعة، والآلام القاسية، والمعاملة المهينة، والموت المخزي الذي كان يترقبه في أورشليم (مرقس 10: 32 – 34). لابد أن قلوبهم كانت منفطرة؟ كلا، إذ يبدو أنهم ما كانوا قادرين على التفكير فيه. لقد بدأوا يتشاجرون فيما بينهم عمن يكون الأعظم بينهم. تخيّلْ وجوههم المكفهرة المتقدة، وأصواتهم المهتاجة، وإيماءاتهم الساخطة. أما يسوع فقد دعاهم إليه، وخفف العاصفة بلطف. وقال لهم أن الحكام الأرضيين، يسودون على الآخرين: »«أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِينَ يُحْسَبُونَ رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ وَأَنَّ عُظَمَاءَهُمْ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ. فَلاَ يَكُونُ هَكَذَا فِيكُمْ. بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ فِيكُمْ عَظِيماً يَكُونُ لَكُمْ خَادِماً وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ فِيكُمْ أَوَّلاً يَكُونُ لِلْجَمِيعِ عَبْداً. لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أَيْضاً لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ»» (مرقس 10: 42- 45). وبمعنى آخر: »تذكروا أنكم تلاميذي. وينبغي على التلميذ أن يكون مثل معلّمه».
من الواضح أن هذا الكلام يعنينا نحن أيضاً كوننا تلاميذ يسوع. إنه يخبرنا عن أي روح يجب أن نتحلى بها ونمط الحياة التي يجب أن نكون عليها اليوم – وكل يوم.
يقول لنا هذا النص من الكتاب المقدس أن ابن الإنسان قد جاء ليَخدِمَ. وهذا موضوع بالغ الأهمية. فهو لم يخدم قلة أو كثيرين صدفةً، بل جاء ليَخدِمَ. وكان هذا هو هدفه المحدد المرسوم.
إلا أن هذا المقطع الرائع يخبرنا أمراً آخر عن ابن الإنسان. فهو «لم يأتِ ليُخْدَم».
إن أمكن أن أقدم شهادة شخصية لوددت أن أقول ما يلي: في تقلبات ومشقات الحياة اليومية، هناك بضعة مقاطع فقط في الكتاب المقدس تنفذ إلى داخلي مثل هذا النص هنا. إنه يدينني، ويوبّخني، ويؤنبني، ويكشفني على حقيقتي على الدوام. ومع ذلك، فكم هو مشجّع، ومهدّئ ومقوٍّ، ومُعزٍّ، ومعين لي.
إن هذه الرغبة، في أن نُخدَم، هي أساس ومصدر كل الخلافات في دار الحضانة، والنـزاعات في المدرسة، والمشاجرات بين الأشخاص، والحروب بين الأمم. وللأسف، هذه الروح ليست مسيطرة في العالم فقط، بل في الكنيسة أيضاً. إننا، كمسيحيين، ندرك على نحوٍ كافٍ – بل نكاد لا ندرك إطلاقاً – كم أن حياتنا مليئة بالخطيئة والإخفاق، وكم هي مليئة بالإغاظة والسخط، والتذمر والنـزق، وكم هي مغضنة بالنـزاع والأسى، وأن كل ذلك إنما هو متأتٍ عن الرغبة في أن نُخدَم بدلاً من أن نأتي لنَخدِم.
ألا نعاني، ونغتاظ، وننـزعج، ونسخط في أغلب الأحيان؟ قد نبدي ذلك أحياناً بإظهار أخرق للمزاج؛ وأحياناً أخرى نكبح أنفسنا، ولكن هنا تكمن أسوأ المشاعر. لماذا؟ على الأرجح لأننا نريد أن نُخدَمَ وقد خاب أملنا.
الحقيقة هي أننا نرغب دائماً في أن يخدمنا الناس، والظروف، والحظ، والطقس، وكل شيء. أن نُخدَم هو أمر طبيعي، وضروري، وسليم. لقد تربّينا على توقع ذلك. وإن كنا محبطين، كما هو حالنا في أغلب الأحيان، فذلك لأننا عرضة لأن نصبح حانقين، متجهمين، متعكري المزاج، متوتري الأعصاب، وربما ننتهي إلى جعل أنفسنا بؤساء، ونأتي بالتعاسة للآخرين أيضاً.
كم كان الأمر مختلفاً، لو كنا دائماً مثل ابن الإنسان، «لم نأتِ لنُخدَم بل لنَخدم»! لنأخذ بعض الأمثلة.
هل أنت موضع استخفاف؟
إنك موضع استخفاف، مُتَجاهَلٌ، مُهمَلٌ. أو أن رب عملك أو المستخدم لديك، لا يظهر لك الاعتبار اللائق. أو أن جارك لا يعاملك بالاحترام الذي تستوجبه مكانتك، وإمكاناتك، وشخصيتك. إنك تشعر كثيراً على هذا النحو، وفي الواقع، إنك تنـزعج من ذلك. لماذا؟ هل السبب هو أنك أتيت لتَخدِم، ولم تَحظَ بالامتيازات التي ترغب بها؟ لا؛ ليس الأمر كذلك على الإطلاق. إن السبب هو أن مشاعرك، وحقوقك، ومواهبك، ومركزك، وكرامتك ووقارك، وأهميتك لم يميزها الآخرون. إنك لم تُخدَم. بينما أنت أتيت لكي تُخدَم. وهنا تهب العاصفة.
هل أنت غيور؟
أو دعنا نفكر في أمرٍ أكثر بغضاءٍ، ألا وهو الغيرة. ما هي؟ هناك آخر يُمتَدَحُ أو يُؤْثَر عليك. وآخر يفلح أكثر منك. وسواه أوفر حظاً منك. الشرف، والنجاح، والمال، الفرصة، والمكافأة ينالها هو. بينما كنت أنت تريدها لنفسك. لقد أتيت كي تُخدم. ولأنه خُدِمَ، هو وليس أنت، فإنك تشعر بالغيرة.
لا يحق لك أن تتجاهلني:
إنك تقول: »ما كان له الحق في أن يتجاهلني، أو يستخف بي، أو يعاملني على هذا النحو. وفي هذا إجحاف بي. فذاك الآخر ما كان يجب أن يُقَدَّمَ عليّ».
قد يكون هذا صحيحاً تماماً، ونحن لا نبرر أي إساءة أو ظلم يصيبك. ولكنك تلميذ ليسوع (أفترضُ ذلك على الأقل)، وإني أسألك، إذا كنت قد أتيتَ مثل معلمك، لكي تَخدِم بدل أن تُخدَم، فهل كنت ستشعر بنفسك مغتاظاً، وغاضباً، غيوراً؟ إن المشكلة هي أنك أتيت لكي تُخدَم.
ألا تكون موضع إطراء:
لقد كنتَ لطيفاً مع أحدهم. وقدّمتَ له خدمةً. وكلَّفَكَ ذلك بعض العناء. من الطبيعي أن تكون قد فكرت بأن صلاحك وطبيعتك يجب أن تكون موضع تقدير. ولكن لم يكن الأمر كذلك، أو على الأقل ليس بالقدر الذي كنت تتوقعه. لقد كنت تتوقع الشكر الجزيل وبعض الجلبة حول ما صنعتَ، بينما صديقك أخذ الأمور بهدوء. فتشعر بالاشمئزاز. وتتمنى لو أنك لم تساعده. وتشعر بأنك تكاد تميل إلى القول على عجل بأنك لن تساعد أحداً من بعد. لماذا؟ لقد خَدمْتَ شخصاً آخر؛ ساعدتَ شخصاً كان في حاجة للمساعدة. نعم، ولكنك لم تُخْدَم. لقد كنت تريد أن يرى الآخرون أنك صالح ولطيف وكريم فوق العادة. بمعنى آخر، كنتَ تتوقع أن تُخْدَمَ بالثناء والمديح، وبعض الإطراء أيضاً، يقدمه لك الآخرون. نعم، عندما نأتي لنُخدَمَ فإننا نلاقي صدمات قاسية في بعض الأحيان.
ألا يستشيرونك؟
إنك شخص ذو ذوق رفيع، ورأي رشيد، وحصافة. وتجد أن نصيحتك قد تم تجاهلها – أو حتى أنهم لم يسألوك عن رأيك في الموضوع أيضاً بينما يمكن أن يكون لك باعٌ طويل فيه. إنك لا تفهم ما يحدث. وتشعر بالانـزعاج. وتتكدر في داخلك. وتفقد اتزانك. ما المشكلة؟ إنها في أنك قد أتيت تريد أن تخدِمَ صديقك. وبإهماله لاستشاراتك هل وقع مأزق رديء؟ لا ليس الأمر كذلك. كما يحدث في العادة، فقد تدبّر أمره بشكل جيد دون الحاجة لأخذ رأيك وطلب مساعدتك. هذه هي المشكلة: وهي أنه لم يتم الاعتراف بك أو تقديرك حق قدرك. وبالتالي فإن سمعتك المتميزة بـ «الموثوقية» قد اهتزت لأنه لم تتم الاستعانة برأيك، وبالتالي فلم تُخْدَم. إنك لم تأتِ لتخدِمَ بل لتُخْدَم. وقد خاب أملك.
هل أنت متحدث لبق متفوِّه؟
قد طُلِبَ إليك إلقاء خطبة على الملأ في مناسبة خاصة. وتجمع جمهور غفير، ولاحظتَ راضياً أن السيد (فلان)، وهو مسيحي مشهور وذو شخصية بارزة، كان حاضراً. فألقيتَ موضوعك، وأفصحتَ وأبلغتَ في حديثك. وفي الختام، شعرتَ بسرور بالغ من نفسك، وتوقعتَ بشكل طبيعي أن يأتي السيد (فلان) إليك في الحال، فيشدّ على يدك، ويشكرك بحرارة على هذا الخطاب القدير، الممتع، والمؤثر.
إلا أن السيد (فلان) قد بارحَ القاعةَ بهدوء دون أن ينطقَ بكلمة. كم كنتَ مكتئباً مخيبَ الأمل آنذاك! لقد تبددت فرحتك كما تنطفئ الشمعة. كيف ذلك؟ لقد كانت لديك الفرصة لخدمة عدد من الناس. ولكن ليس هذا ما أتيت لأجله، ففي أعماق قلبك كنت تريد لتلك الخطبة أن تخدمك. إنها المشكلة القديمة عينها من جديد. لقد أتيتَ كي تُخدَمَ.
عن عملك:
إنك رجل محترف، أو رجل أعمال. وإنك تفلح في عملك. ولديك ما يكفي لسد حاجتك جميعاً. ولكن قلبك يتعلق بالأمور العظيمة. ونجاحك لا يصل إلى مستوى توقعاتك وآمالك. وهذا الأمر يثقل عليك. ما سبب هذا الشعور؟ هل هو أنك أتيت لتخدِمَ، وخاب أملك لأنك لن تخدم على أكمل وجه كما كنت ترغب؟ لا، ليس الأمر كذلك. إنما هو رغبتك في أن ترضي ذاتك؛ فإنك تريد المزيد من الاستعراض، والمزيد من الاعتبار، وتود أن تزداد غنى. وإن رغبتك في هذه الأمور لم تُشْبَعْ. فأنت لم تُخْدَم.
واللعب:
حتى استجمامك تنغّصُه روحُ الرغبة في أن تُخدم. فتشترك في سباق، أو منافسة، أو لعبة. ولكنك تفشل، وتُهزم. كم تشعر بالاستياء لذلك! حتى اليوم لا يزال هذا الشعور ينتابك.
فاز رياضي في جامعة كامبردج بالسباق لثلاث سنوات على التوالي. ولو أمكنه أن يفوز في السنة الرابعة ليسجل رقماً قياسياً. ولقد كان يتوقع الفوز، إلا أنه خسر. وقيل لي أن الابتسامة فارقته لعدة أسابيع. لقد كان يريد أن يشير الناس إليه بأصبعهم ويقولون: «لقد فعل ما عجز آخرون عن القيام به». ولأنه لم يُخدم في ذلك، فإنه تحطّم.
قد تجيب قائلاً: »ولكن، في رياضاتنا ومنافساتنا، نشارك كي نقوم بأفضل ما وسعنا لنربح، وهدفنا هو أن نُخْدَمَ إذاً». نعم، بالطبع. ولكنها مباراة وحسب. وعلى تلميذ المسيح ألا يأخذ المباريات على محمل الجد على ذلك النحو الشديد. وحتى على أرض الملعب يمكنه أن يظهر روح الرغبة في ألا يُخدم. فعندما يخسر يمكنه أن يستمتع بالشعور بالرضى لمعرفته أن خسارته إنما كانت وسيلةً خدم بها الفائز.
الخدمة المسيحية
لنَعُدْ إلى أمر أكثر جدية من الرياضة. إنك منشغل في العمل المسيحي. فأنت معلم في مدرسة الأحد، أو واعظ زائر أو موظف في الكنيسة، أو ربما تساعد في لقاء الأمهات أو في أي نشاط مسيحي للجماعة في الكنيسة. والآن أجدك تفكر في ترك هذا العمل، لماذا؟ هل اعتلت صحتك؟ أليس لديك الوقت الآن للقيام بهذا العمل؟ هل تثقل عليك أعباء المنـزل؟ لا، ليس السبب في أي من هذه الأسباب. إذاً فأنت لست مرغوباً به؟ أم أنه ما عادت هناك حاجة لك؟ أم هل نـُزِعَتْ منك فرصة الخدمة؟ لا، بل في الواقع أن الحاجة لك لا تزال كما هي. وباب الفرصة لا يزال مفتوحاً. إذاً فلماذا تريد الانسحاب؟ حسناً، لابد أنك قد تعبت من العمل، ولذلك فإنك تفكر بأن تزيح عبئه عن كاهلك. لقد كنت تتوقع أن يكون مثيراً لاهتمامك. وأنه سيجعلك على اتصال مع الآخرين. وأنه سيعطيك مكانتك في المسيح. في الواقع، كنت تظن أنه سيروق لك. وقد كان الأمر كذلك لبعض الوقت، ولكنك ضجرتَ منه الآن. ها قد بدأت تفهم. لقد كنتَ تعتقد أن العمل سيخدمك. ولأنه كان يخدمك، فإنك كنت راغباً في الاستمرار فيه. أما الآن، وإذ لم يعد يخدمك، فإنك ترغب في التخلي عنه. ولكن «ابن الإنسان لم يأتِ ليُخدَم بل ليخدم، وليبذل نفسه….». أو لستَ تلميذاً له؟
هذه بضعة أمثلة وحسب. قد لا تنطبق عليك ولكن فكر بها، ومهما كان عملك في الحياة، أو علاقتك بأقرانك، فإنك ستندهش لاكتشافك كم من القلقلة، والاضطرابات، تنشأ من هذا السبب نفسه: ألا وهو الرغبة في أن تُخدم، بدل أن تأتي لتخدم.
في المنـزل:
أنت تستأجر منـزلاً مع صديق لك. إن سعادتكما المشتركة تنتابها بعض الصدمات الصغيرة. فأنت سريع وصديقك بطيء. أنت مقتصد بينما هو مسرف. أنت دقيق وهو ليس كذلك. أنت شخص مرتب جداً وهو بعكسك. إنك ترغب أن يتم كل شيء بطريقتك الخاصة بينما صديقك يقوم بالأشياء كيفما اتفق. ولذلك فإنكما على خلاف مستمر. ولكن لماذا؟ أهو أنك لا تستطيع أن تخدم صديقك؟ كلا، في الواقع. إن السبب هو أن محبتك للترتيب أو أي شيء، ورغبتك في أن تسير الأمور كما أنت تهواها، لم تُخْدَم.
أو لعلك شخص متحرر وسهل العشر، ولكنك تنـزعج لأن معشرك الحلو لا يُخدم.
لنفترض أنكما كلاكما تحاولان ألا تُخدما، بل أن تخدما وأن تعطيا؟
إنه لمن المذهل العدد الكبير من الأشياء التافهة التي تزعجنا. فمخططاتك لهذا المساء اختلت. رغبتك في أن يكون الجو لطيفاً اليوم قد تحققت وها هو الطقس قد بقي هكذا. وإذا بزائر يتصل بك وأنت على وشك الخروج. يُطلب منك أن تغني وإذا بصوتك مبحوح ويخذلك. الرد على رسالتك لم يصل. ورُفض طلبك. وبحدث ما يقاطع قراءتك لكتاب ممتع شيق. القلم لا يكتب. والثوب لا يلائمك. والموقد لا يشتعل. شيء ما لا يعجبك في العشاء. والأطفال مضجون جداً.
يبدو أحياناً أن كل شيء يسير على غير ما يرام. ما من شيء واضح، ولا شيء يمكننا أن نستند إليه. ولكننا دائماً ما نأتي إلى العالم ولدينا ما نحب وما نكره، نـزوات وأهواء، رغبات وهوايات، اهتمامات ونقاط ضعف. وإذا لم نُخدَم في هذه الأمور الصغيرة، نكون عرضة للانـزعاج، ونستاء من ذواتنا ومن أي شخص.
طريق السعادة
إني على اقتناع بأن السعادة في حياتنا تعتمد بشكل هائل على الروح التي نُقْبِل بها إلى العالم كل يوم من جديد. فإن أتينا كي نُخدم، سرعان ما نغتاظ ونستشيط غضباً. أما إذا أتينا لئلا نُخدَم، بل لنَخدِم، فإن الأمر يكون مختلفاً جداً «مَغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنَ الأَخْذِ». أن تَخدِمَ أعظم غبطةً من أن تُخدَم، وأكثر نُبلاً بكثير. «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ أَوَّلاً فَلْيَكُنْ لَكُمْ عَبْداً» (متى 20: 27).
كلمة تنبيه:
لابد من كلمة تنبيه نقولها. إن النص لدينا لا يقول أن علينا أن نكون رواقيين، أي ألا نتأثر بأي شيء يحدث. إن الانـزعاجات، والغضب، وخيبات الأمل – هذه الأمور التي كنا نتحدث عنها – نشعر بها بالطبع. (وسوف لن تكون بذات فائدة إن لم نشعر بها). ولكن لا داعي لأن تزعجنا. قال أحدهم: »لا يمكنك أن تمنع الغراب من أن يحط على رأسك، ولكن يمكنك أن تمنعه من أن يبني عشاً في شعرك». فعندما نريد أن نُخدم، فإننا نضمر شكوى، ونضخمها ، ونفسح لها المجال، ونسمح لها لأن تبني عشها بل أن تفقس بيوضها المزعجة. ولكن عندما نرغب في ألا نُخدم، بل أن نَخدم، فعندها لا نشعر بالأسى ولا ندع له مجالاً للدخول إلى نفوسنا، ولا نلقي إليه اهتماماً كبيراً، ولا نكلف أنفسنا عناء الانـزعاج بسببه. دعونا نشابه يسوع. لقد كان على الدوام منشغلاً بالتفكير في الآخرين، وفي خدمتهم، ومنتبهاً ألا يُخدم بل أن يخدم. إن من طرق العلاج الجيدة لهذه الحساسية لدينا هي أن نشغل أنفسنا بالاهتمام بالقريب.
كلمة تنبيه أخرى:
نؤكد من جديد أن النص هنا لا يقول أنه لا ينبغي علينا أن نُخدم. لا يقول أن علينا دائماً أن نقبل أن نُهمَل أو يُستخف بنا، وألا نُمتَدح، وألا نلاقي نجاحاً، وألا ننال مكافآت وجوائز، وأن علينا أن نجول العالم بحثاً عن الإجحاف، والإهانات، وسوء المعاملة. لا شيء من هذا القبيل. لا ضمير في أن نُخدم. فابن الإنسان كان يُخدم في أغلب الأحيان، وكان يقدّر ذلك للغاية. إننا غالباً ما نُخدم، وخاصةً عندما لا نتوقع ذلك. والمشكلة هي أن نرغب أن نُخدم دائماً بدل أن نخدم: المشكلة هي في رغبتنا هذه، وفي سعينا إلى ذلك، وفي تعلق قلوبنا بهذا الأمر، ومن هنا تصيبنا خيبة الأمل، ونغتمّ، ونتكدر، ونحنق إذا لم نُخدَم.
لقد ترددنا كثيراً في الحديث عن إخفاقنا هذا – أي الرغبة في أن نُخدم – ذلك لأنه واقع سائد جداً، وعواقبه محزنة للغاية، وخاصة لأن الكثيرين منا مذنبون من هذه الناحية دون وعي إلى حقيقة الأمر.
يجب إهلاك الذات:
والآن دعونا نتحدثْ قليلاً عن علاج هذه المشكلة. كُنْ على ثقة بأن أساس المشكلة، وكل تشعباتها، هو الذات. وهذه الذات، التي هي عدونا القديم، يجب أن تُمات. علينا إهمال ذواتنا. كتبت إحداهن: »أرسلُ لك أطيب الأماني في عيد ميلادك. وإني آمل لو أنك كنت ميتاً». ولقد كانت مصيبة في ذلك. «توقُ نفسي إنما هو في رؤية الناس يموتون وحسب». هذا ما قالته أخرى. وأيضاً كانت على صواب. فالذات يجب إهلاكها.
إن وضَعْنا هذه الحقيقة نصب أعيننا، فكم يجب إذاً ألا نبالي كثيراً بأن نُخدم؟ فأهلاً بخيبة الأمل، وبالمحنة، وبالاستخفاف، وبالأشواك والآلام. فهذه جميعاً يمكننا أن نقلبها لصالحنا. إن إخفاقنا في الحصول على ما نريد قد يكون من حسن حظنا. وأن نُحبط قد يكون لخيرنا. وأن تُثبط رغائبنا قد يكون بركة إيجابية لنا. أن نُحنق قد يكون أمراً رائعاً. ففي كل مرة لا نُخدم فيها نعطي فرصة للذات لكي تهلك. والشخص الذي يصدّنا قد يكون خير صديق لنا إذ يوجه لعدونا الرئيسي – الذات – ضربة ساحقة. يجب إماتة الذات. فعندما تهلك الذات يمكننا أن نحيا حياة سعيدة منتصرة.
المسيح ينبغي أن يحيا:
ولكن لا يكفي أن نميت ذواتنا. ثمة أمرٌ آخر يجب أن يحدث. فالمسيح يجب أن يحيا. إذاً الذات تُمات والمسيح يحيا. وإن هناك تناسباً وانسجاماً في حقيقة أن نميت ذواتنا كي يحيا المسيح فينا وهكذا نقدر أن نأتي إلى العالم كل يوم من جديد ونحن نتمتع بروح «ألا نُخدم، بل أن نخدم»، وبذلك نتخلى عن ذواتنا ولو بمقدار ضئيل، ونهلك ذواتنا، لمجد إلهنا وخير إخوتنا الأحبة.