رسائل القراء
اكتب لنا رسالة جديدة

لا يوجد شيء هنا.


الدورة: الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس

الدرس: الفصل الأول - الإنقسامات في الكنيسة (1كورنثوس 1:1-16:2)

>


أولًا:    التحية (1:1-3)
ثانيًا:    تقديم الشكر (4:1-9)
أ- لأجل المواهب المُعطاة في الماضي (ع4-6)
ب- لأجل تتميم المواهب في الحاضر (ع7)
ج- لأجل حفظ القديسين في المستقبل (ع8-9)
ثالثًا:    إنقسامات في الكنيسة (10:1-21:4)
أ- الحث على الوحدة (ع10)
ب- مصدر المعلومات المختصة بالإنقسامات (ع11)
ج- طبيعة الإنقسامات (ع12)
د- توبيخ لأجل الإنقسامات (ع13-17)
 1- لم ينقسم المسيح (ع13)
 2- فقط المسيح صُلِبَ من أجلهم (ع13)
 3- يعتمد المؤمنون على المسيح وحده (ع13-17)
ه- طبيعة الإنجيل تظهِر حماقة تمجيد الإنسان (18:1-4:3)
1- إنّ رسالة الصليب هي على العكس من كل ما يعتبره الإنسان إنه حكمة حقّيقية (ع18-25)
2- إنّ الذين يدعوهم الرَّب بواسطة الإنجيل ليسوا بالضرورة من يعتبرهم العالم عظماء (ع26-29)
3- إنّ رسالة الإنجيل تمجد ﷲ وحده وليس الإنسان (ع30-31)
4- إنّ قدوة بولس في كورنثوس قد حُسبت لتمجيد ﷲ وليس ذاته (1:2-5)
5- على الرغم من أن الإنجيل لا يروق للحكمة الإنسانية، ولكن لأولئك الناضجين، فهو حكمة ﷲ (6:2-4-3)
أ)  إنها إلهية بمصدرها (ع6-7)
ب) هذه الحكمة قد أُخفيت من ﷲ عن أعين العالم (ع7)
ج) لم تكن معروفة للحكام أيام المسيح (ع8)
د) لقد أُعلنت للرسل بواسطة الروح القدس (ع9-12)
ه) لقد أعطاها الرسل لآخرين بوحي الروح القدس (ع14)
و) يمكن فهمها فقط من هؤلاء الذين استنيروا  بالروح القدس(ع14-16)
في الأعداد الثلاثة الأولى من هذا الأصحاح، لدينا تحية بولس إلى الكنيسة في كورنثوس التي كانت تقع في اليونان. تحتوي الأعداد 4-9 على شكر بولس من أجل هؤلاء المؤمنين الذي كان قد قادهم إلى الرَّب. ثم في العدد 10 يعرض موضوع الإنقسامات في الكنيسة، وهو موضوع يستمر إلى نهاية الأصحاح الرابع.
أوّلًا:  تحيات من بولس (1:1-3)
دُعي بولس ليكون رسولاً ليسوع المسيح على طريق دمشق، وهذه الدعوة لم تأتِ من إنسان أو بواسطة إنسان، لكن من الرَّب يسوع بصورة مباشرة. إن الكلمة «رسول» تعني حرفيًا «إنسانًا مُرسلاً». وقد كان الرسل الأوائل شهود عيانٍ لقيامة المسيح، كما كان بمقدورهم أن يصنعوا المعجزات ليؤكِّدوا أن الرسالة التي كرزوا بها هي سماويَّة. كان بإمكان بولس أن يقول بحقّ بكلمات تير ستيجن Ter Steegen:
«المسيح إبن ﷲ قد أرسلني إلى الأراضي الغارقة في الظلام،
ونصيبي أنه عيَّنني لخدمته بقوةٍ بيديه المثقوبتين!»
عندما كتب بولس كان معه أخ يدعى سوستانيس، فضمّ بولس إسمه إلى إسمه في التحية، ولا يمكن القول على وجه اليقين فيما إذا كان هذا الأخ هو سوستانيس المذكور في أعمال17:18، رئيس المجمع الذي ضربه اليونانيون علانية. فلعلَّ هذا الزعيم كان قد نال خلاصه بواسطة كرازة بولس، وأخذ الآن يعاونه في خدمة الإنجيل.
 وجِّهت الرسالة أوّلاً إلى كنيسة ﷲ في كورنثوس. إنه لأمر مشجِّع أن نعرف بأنه لا يوجد مكان على الأرض يكثر فيه الفجور، قد يستحيل أن يُقيم ﷲ فيه إجتماعاً له.
يوصف جمهور المؤمنين في كورنثوس أيضاً بكونهم «مقدَّسين في المسيح يسوع المدعوين… قديسين». والتعبير «قديسين» تعني «مفروزين» لله من العالم، وتصف هذه العبارة  مقام جميع التابعين للمسيح. أما عن حالتهم العمليَّة، فإنهم يجب أن يَفرِزوا أنفسهم لله يوميًا في حياة مقدّسة.
هنالك من يزعم أن التقديس عمل مميِّز للنعمة الذي بواسطته يتخلص المؤمن نهائيًّا من الطبيعة الخاطئة. إن تعليمًا كهذا ينفيه ما جاء في هذا العدد. لقد كان المؤمنون في كورنثوس بعيدين عن المستوى الواجب من القداسة العملية، مع ذلك تبقى حقّيقة أنهم كانوا من حيث المقام مقدَّسين من قِبل ﷲ.
وباعتبارهم قديسين كانوا أعضاءَ شركة كبيرة من «الْمَدْعُوِّينَ قِدِّيسِينَ مَعَ جَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، لَهُمْ وَلَنَا». فمع أن تعاليم هذه الرسالة وُجَّهت أوَّلاً إلى القديسين في كورنثوس، فإنها كذلك موجَّهة إلى جميع الذين يعترفون بربوبية المسيح على نطاق العالم كلَّه.
إن هذه الرسالة، بطريقة خاصة جدًّا رسالة ربوبيَّة المسيح. ففي معالجة المشاكل العديدة في حياة الجماعة والأفراد، يذكَّر الرسول قُراءَہُ باستمرار بأنَّ يسوع المسيح هو الرَّبُّ، وأن كل ما نعمله يجب أن يُعمل إعترافًا بهذا الحقّ الجليل.
إنّ تحيَّة بولس المميَّزة يطالعنا بها في العدد 3. «نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ»: عبارة تلخَّص إنجيله بتمامه. فالنعمة هي مصدر كل بركة، والسلام هو النتيجة في حياة كل من يقبل نعمة ﷲ. هذه البركات العظمى تأتي «مِنَ ﷲِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ». هذا لا يتردد بولس في ذكر الرَّب يسوع لحظة ذكر ﷲ أبينا. هذه واحدة من مئات العبارات المشابهة الواردة في العهد الجديد التي تدلّ على المساواة بين الرَّب يسوع وﷲ الآب.
ثانيًا:  تقديم الشكر (4:1-9)
بعد يُتمّ التحية يتقدَّم الرسول الآن ليشكر ﷲ من أجل أهل كورنثوس وعمل ﷲ الرائع الذي عمله في حياتهم (ع4 -9).
لقد كان بولس يتحلى بميزة نبيلة جدًّا، وهي أنه كان دائمًا يسعى لكي يجد شيئًا يستحق الشكر في حياة إخوته المؤمنين. فإن كانت حياتهم العملية لا تستحق المديح كثيرًا، يتحول عندئذٍ على الأقل إلى إلهه ليشكره على ما عمله لأجلهم. هذه هي بالضبط الحالة هنا. فأهل كورنثوس لم يكونوا في مستوى المؤمنين الروحيين فعلاً، ومع ذلك يستطيع بولس على الأقل أن يشكر ﷲ لأجل نعمته التي أعطيت لهم في المسيح يسوع.
تمثَّلت الطريقة الخاصة التي أُظهِرت فيها نعمة ﷲ لمؤمني كورنثوس تمثَّلت في المواهب الغنية، مواهب الروح القدس التي أُسبِغت عليهم. ويحدِّد بولس هذه المواهب «في كلّ كلام وكل علم»، مما يعني على الأرجح مواهب الألسنة، وترجمة الألسنة، والمعرفة الروحيّة إلى درجة غير عادية. فالكلام له علاقة بالتعبير الخارجي والعلم بالإدراك الداخلي.
إن حقّيقة كونهم قد حازوا تلك المواهب أكَّدت عمل ﷲ في حياتهم، وهذا ما يعنيه بولس عندما يقول: كما ثُبِّتَتْ فيكم شهادة المسيح. فقد سبق أن سمعوا «شهادة المسيح» وقبلوها بالإيمان، وشهد ﷲ لخلاصهم حقًّّا بإعطائهم هذه القدرات المعجزية.
أما فيما يتعلَّق بامتلاك تلك المواهب، فإنّ كنيسة كورنثوس لم تكن أقلّ من أية كنيسة أخرى. لأنَّ حيازة تلك المواهب لم تكن بحد ذاته علامة على الروحانية الحقّيقية. فقد كان بولس في الحقّيقة يشكر ﷲ على شيء لم يكن أهل كورنثوس أنفسهم مسؤولين عنه مباشرة. إن المواهب يعطيها الرَّب الممجَّد، دون التفات إلى استحقاق الشخص عينه. فإن كان لإنسان ما موهبة محددة، فلا يحقّ له التباهي بها، بل عليه أن يستخدمها بتواضع لمجد الرَّب.
أما ثمر الروح فهو أمر مختلف بالتمام، إذ يتضمن إستسلام المؤمن لسيطرة الروح القدس. وما كان بإمكان بولس أن يمدح أهل كورنثوس لظهور ثمر الروح في حياتهم، بل حصريًّا لأجل ما أسبغه الرَّب عليهم بسلطانه؛ لأمور لم يكن لهم سيطرة عليها.
وفي موضع لاحق من الرسالة سيضطرّ الرسول لأن يؤنِّب القديسين على إساءة إستخدامهم لمواهبهم، لكنه يكتفي هنا بالتعبير عن شكره لِقبولهم هذه المواهب بذلك المقدار غير العادي.
كان أهل كورنثوس يتوقعون بشوق إستعلان ربِّنا يسوع المسيح. إن دارسي الكتاب المقدس غير متفقين على حقّيقة كون هذا يشير إلى مجيء المسيح لأجل قديسيه (1تسالونيكي13:4 -18)، أو إلى مجيء الرَّب مع قديسيه (2تسالونيكي6:1 -10)، أو إلى كليهما. في الحالة الأولى يكون إستعلان المسيح للمؤمنين فقط. أما في الحالة الثانية فيكون إعلانه للعالم كله. إنّ كِلا الإختطاف والظهور المجيد للمسيح يتوقّعه المؤمن بشوق.
يعبِّر بولس في العدد 8 عن ثقته بأن الرَّب أيضاً سيثبِّت القديسين إلى النهاية ليكونوا بلا لوم في يوم ربِّنا يسوع المسيح. مرة أخرى من اللافت للنظر أن الشكر الذي يقدّمه بولس مرتبط بما سيعمله ﷲ وليس بما قد عمله أهل كورنثوس. فلأنهم قد اتكلوا على المسيح، ولأن ﷲ قد أثبت هذه الحقّيقة بإعطائهم مواهب الروح، فإن بولس يثق بأن ﷲ سيحفظهم لنفسه حتى مجيء المسيح لأجل شعبه.
إن استبشار بولس بشأن أهل كورنثوس يستند إلى أمانة ﷲ الذي دعاهم إلى شركة ابنه. فهو يعلم أنه إن كان ﷲ قد تحمّل كلفة فائقةً جدًّا ليجعلهم شركاءَ حياةٍ لربَّنا يسوع، فإنه لن يسمح أبدًا بأن يفلتوا من يديه.
ثالثًا:  الإنقسامات في الكنيسة (10:1-17)
    أ- الحثّ على الوحدة (ع10)
أصبح الرسول الآن مستعدًّا ليتناول مشكلة الإنشقاقات داخل الكنيسة (10:1–21:4). وهو يبدأ بالحثّ على الوحدة بدافعٍ من محبَّته. فبدل عن التكلُّم بأمر، حسب سلطانه الرسولي، يتوسل برقة الأخ. والتوسل لأجل الوحدة يقوم على أساس إسم ربِّنا يسوع المسيح. وما دام الإسم يمثِّل الشخص، فالتوسل يتأسَّس على شخص الرَّب يسوع المسيح وعلى كل ما عمله. لقد كان أهل كورنثوس يعظِّمون أسماء الناس، وذلك لا يمكن أن يؤدي إلا إلى الإنشقاقات. إلا أنّ بولس يرفّع إسم الرَّب يسوع، علمًا منه أنه بتلك الطريقة فقط يمكن ضمان الوحدة وسط شعب ﷲ. أن يقولوا جميعًا قولاً واحدًا: يعني أن يكونوا في فكر واحد ورأي واحد وذلك يعني الوحدة لصالح الولاء والموالاة. هذه الوحدة تتوافر عندما يكون للمؤمنين فكر المسيح. وفي الأعداد التالية يبيِّن بولس، بأسلوب عملي، كيف يمكن لهم أن يفتكروا أفكار المسيح متمثلين به.
ب- مصدر المعلومات المختصة بالانقسامات ( ع 11)
كانت أخبار الإنقسامات في كورنثوس قد وصلت بولس من طريق أهل خلوي (ع11). وبذكر إسم المُخبِرين، يضع بولس مبدأً هامًّا للسلوك المسيحي. وهو أنه يجب ألاّ ننقل أخبارًا عن شركائنا في الإيمان ما لم نكن مستعدين لقبول التمثُّل بنا بهذا الخصوص. فلو كان هذا المبدأ هو المتَّبع في أيامنا، لاختفى الكثير من أسباب النميمة التي ابتُلِيت بها الكنيسة.
ج – طبيعة الانقسامات ( ع 12)
كان يتمّ تشكيل الطوائف أو الأحزاب في داخل الكنيسة المحلية، وكانت كل طائفة ترفع لواء زعيمها الخاص. فانحاز قوم إلى بولس وآخرون إلى أَبلُّوس، وغيرهم إلى صفا أي بطرس. إلى الحدّ الذي فاخر بعضهم بانتمائهم إلى المسيح، وكأنهم وحدهم كانوا ينتمون إلى المسيح دون سواهم!
د -  توبيخ على الانقسامات (ع 13- 17)
1 – لم ينقسم المسيح (ع13)
2- فقط المسيح صلب من أجلهم (13)
3- يعتمد المؤمنون على المسيح وحدة (ع13-17)
أما توبيخ بولس الالشديد لأهل كورنثوس بسبب الإنشقاقات المذكورة فيأتي في الأعداد 13 -17. ويرى أنَّ إنشاء مثل هذه الأحزاب في الكنيسة كان معناه إنكار وحدة جسد المسيح. إن اتِّباع زعماء بشريين كان معناه الإنتقاص من قدْر ذلك الذي صُلِب لأجلهم. وترفيعهم لإسم إنسان كان معناه نسيان حقّيقة أنهم في المعمودية كانوا قد أقرُّوا بانتمائهم واعترفوا بولائهم للرَّب يسوع.
إن نشوء التحزُّبات في كورنثوس جعل بولس يشكر ﷲ أنه لم يعمِّد سوى عدد قليل من المؤمنين هناك. وهو يذكر كريسبس وغايس من بين الذين عمّدهم. لم يرغب أبداً أن يقول أحد بأنه كان يعمّد بإسمه الشخصي. بكلمات أخرى، إنه لم يكن يحاول ربح المتجددين لنفسه ولا ليكوّن إسماً وسمعة لنفسه. كان هدفه الرئيسي توجيه الناس ليسوع المسيح. وبتفكير إضافي تذكّر بولس بأنه عمّد بيت إستفانس أيضاً، ولكنه لا يذكر غيرهم. (ع15-16).
هنا يشرح بولس، أن المسيح لم يُرسله ليعمِّد بل ليبشِّر. وهذا لا يعني، ولو للحظة أن بولس لم يؤمن بالمعمودية، لا سيَّما وأنّهُ قد ذكر من هنيهة أنه بالفعل عمّد بعض الأشخاص، لكنه قصد أنَّ مهمته الأساسيَّة ليست التعميد، وإذ أوكل هذه المهمة على الأرجح لآخرين، ربما لبعض المؤمنين في الكنيسة المحلية. وهذه الآية تُعارض فعلاً أية فكرة تقول بأن المعمودية لازمة للخلاص. فلو كان ذلك صحيحًا، لكان بولس يقول هنا أنه كان يشكر ﷲ أنه لم يخلّص أحدًا بينهم سوى كريسبس وغايس. وبطبيعة الحال، فكرة كهذه يتعذر الدفاع عنها.
في القسم الأخير من العدد 17 ينتقل بسرعة إلى الأعداد التالية. إنه لم يبشر بحكمة الكلام لئلا يتعطَّل صليب المسيح. إنه كان يعلم أنه لو تأثر الناس بقدرته الخطابية أو بلاغته الإنشائية، فإنه يكون عندئذ بتلك المقدرة قد أخفق في مجهوداته المبذولة لتقديم المعنى الحقّيقي لصليب المسيح. وممَّا يساعدنا على فهم الفقرة التالية أن نتذكّر أن أهل كورنثوس، لكونهم يونانيين، كانوا يعشقون الحكمة البشرية. لقد كانوا يعتبرون فلاسفتهم أبطالاً وطنيين.
وفي هذا الصدد نذكر أنّ شيئاً من هذه الروح كان على ما يبدو قد تسرَّب إلى الكنيسة في كورنثوس، لقد كان هناك من يرغبون في أن يجعلوا الإنجيل أكثر قبولاً لدى أهل الفكر. إنهم لم يشعروا بأن له مكانة لدى العلماء، وبالتالي فقد أحبّوا أن يُعَقلِنوا رسالة الإنجيل. إن «عبادة العقلنة» هذه كانت واحدة من المسائل التي دفعت جمهور المؤمنين إلى تشكيل أحزاب حول زعماء بشريين.
إن الجهود المبذولة لجعل الإنجيل أكثر قبولاً هي جهود مضلِّلة تمامًا. فهناك فرق شاسع بين حكمة ﷲ وحكمة الإنسان، ولا طائل من جرّاء المحاولة للتوفيق بينهما.
الصليب مقارنة بحكمة الإنسان (18:1-25)
يبين بولس الآن الغباء في محاولة ترفيع (تمجيد) الإنسان، ويؤكِّد أن الإقدام على ذلك يتعارض مع الطبيعة الحقّيقية للإنجيل (18:1–4:3). ونقطتُه الأولى هي أن رسالة الصليب هي عكس كل ما يعتبره الإنسان حكمة (18:1 -25). فإن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة. قال بارنز Barnes بحقّ: إن الموت على الصليب كان مرتبطًا بفكرة كل ما هو مُخجل وعار. والكلام عن الخلاص فقط من طريق آلام إنسان مصلوب، وموته كان من شأنه أن يثير في أفكارهم كل الإزدراء. لقد كان اليونانيُّون «عُشَّاق حكمة» (وهو المعنى الحرفي للكلمة «فلاسفة»). ولم يكن هناك في رسالة الإنجيل ما يستهوي تباهيهم بالمعرفة.
أما عند المخلصين، فالإنجيل هو قوة ﷲ. هؤلاء يسمعون الرسالة، ويقبلونها بالإيمان، فتحصل معجزة الولادة الجديدة في حياتهم. لاحظ الحقّيقة الخطيرة في هذا العدد، ألا وهي أن هناك فئتين من الناس، أولئك الذين يهلكون وأولئك الذين يخلصون. وليس من فئة «بينَ بين». فالناس قد يحبُّون حكمتهم البشرية، لكن الإنجيل وحده يؤدّي إلى الخلاص.
إن الحقّيقة المتمثِّلة في أنّ الإنجيل سيكون عثرة للحكمة البشرية تنبأ عنها إشعياء (14:29) إقتباساً من قول ﷲ هناك «ها أنذا أعود أصنع بهذا الشعب عجبًا وعجيبًا، فتبيد حكمة حكمائه ويختفي فهم فهمائه». لقد لاحظ س. لِويس جونسون S. Lewis Johnson في «تفسير ويكليف للكتاب المقدس» أنه في هذه القرينة «الكلمات هي تعبير عن استهجان ﷲ لسياسة الحكماء في يهوذا لطلبهم إقامة حلفٍ مع مصر في وجه تهديدات سنحاريب». كم صحيح أن ﷲ يُسرّ أن يتمِّم مقاصده بطرق تبدو للناس بأنها جهالة. كم مرة يستخدم سُبُلاً يَهزأ بها حكماء هذا العالم، ومع ذلك فإنها تحقِّق النتائج المرجوة بمنتهى الدقة والكفاءة. مثلاً، حكمة الإنسان تريه أن بإمكانه اكتسابَ خلاصه أو استحقاقَه، أما الإنجيل فإنه ينحّي جانبًا كل مجهودات البشر لأجل خلاص آنفسهم، ويقّدم المسيح بوصفه الطريق الوحيدة المؤدِّية إلى ﷲ.
بعد ذلك يطلق بولس التحدي الآتي (ع20): «أين الحكيم؟ أين الكاتب؟ أين مُباحث هذا الدهر؟». هل استشار ﷲ هؤلاء عندما ابتكر خطَّته للخلاص؟ وهل كان بإمكانهم على الإطلاق ابتداع مثل هذه الخطة للفداء لو تُركوا لحكمتهم؟ وهل يستطيعون النهوض لتنفيذ أي من أقوال ﷲ؟ الجواب «لا» بكل تأكيد. لقد «جهّل ﷲ حكمة هذا العالم».
ليس بإمكان الإنسان بحكمته الخاصة أن يصل إلى معرفة ﷲ. فقد منح ﷲ للجنس البشري هذه الفرصة على مدى قرون، وكان الفشل حصيلة جهد الإنسان. بعدئذٍ استحسن ﷲ أنَّه بكرازة الصليب، وهي رسالة تبدو جهالة للإنسان، يُخلَّص المؤمنين. إن «جهالة الكرازة» تشير إلى الصليب. طبعًا، نحن نعلم أنه ليس جهالة، لكنه يبدو جهالة لعقل الإنسان المظلم. وها هو جوديت Godet يقول: «يحتوي العدد 21 على فلسفة كاملة للتاريخ؛ تكفي مادتها لكتابة مجلدات كاملة بحد ذاتها. ليس بإمكاننا أن نمر على هذا العدد مروراً عابراً، بل نتأمل بعمق في الحقّائق الهائلة التي يشتمل عليها».
كان من ميزات اليهود أن يطلبوا آية (ع22)، وكان موقفهم أنهم يؤمنون لو رأوا آية. أمّا اليونانيون من الجانب الآخر فكانوا يطلبون حكمة. لقد كانوا معنيَّين بالمحاجّات البشرية والمجادلات والمنطق. ولكن للغرابة الشديدة، أنَّ بولس لم يستجب لرغباتهم، لكنه قال «وَلكِنَّنَا نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوبًا» كما قال أحدهم: «لم يكن بولس يهوديًّا محباً للآيات، ولم يكن يونانيًّا محبًّا للحكمة، بل مسيحيًّا يحب المسيح.
كان المسيح المصلوب عند اليهود عثرة، فراحوا يبحثوا عن قائد عسكري جبَّار ليخلصهم من ظلم الرومان، لكن عوضًا عن ذلك قدّم لهم الإنجيل مخلِّصًا  مسُمِّر على صليب العار. أما لليونانيين فكان المسيح المصلوب جهالة، إذ لم يكن باستطاعتهم فهم كيف أن موت شخص ما يظهر بمظهر ضعف وفشل يمكنه أن ينهي مشاكلهم.
لكن ولغرابة الأمر، فإن الشيء ذاته الذي يطلبه اليهود واليونانيون يكمن بطريقة رائعة في الرّب يسوع، وعليه فإنّ الذين يسمعون دعوته ويؤمنون به من كلا اليهود واليونانيين، صار لهم قوة ﷲ وحكمة ﷲ (ع24)
في الواقع، فإنّ لا جهالة في ﷲ ولا ضعف. حاشا! إنما الرسول يقول في العدد 25 أن ما يبدو جهالة عند ﷲ، في نظر الإنسان، هو في الواقع أحكم من الناس عامّة مهما  بلغوا من الحكمة. كذلك ما يبدو ضعيفًا عند ﷲ في نظر الإنسان، يتبيَّن أنه أقوى من أي شيء يقدر الإنسان على تحقيقه.
3- دعوة  ورسالة الإنجيل تمجد ﷲ وليس الإنسان (26:1-31)
بعد أن تكلم الرسول عن الإنجيل بالذات، يلتفت إلى الناس الذين يدعوهم ﷲ بالإنجيل (ع26-29). إنه يُذكِّر أهل كورنثوس أنه «ليس كثيرون حكماء حسب الجسد، ليس كثيرون أقوياء، ليس كثيرون شرفاء» بين الذين دُعوا. لقد نوَّە كثيرون أن النص لا يقول «ليس أحد» بل «ليس كثيرون». ويُحكى أنّ إحدى السيَّدات النبيلات كانت تُشدَّد على هذه الحقّيقة حين تشهد كيف خلّصها الرَّبُّ إذ كلَّمها من خلال هذه الآية بالذات، بعدما كانت تتصور أن الخلاص هو لغير النبلاء فقط!
إن أهل كورنثوس أنفسهم لم يتحدروا من الطبقة المفكِّرة العالية في المجتمع. ولم تصلهم البشارة على أفواه أهل الفلسفة أصحاب الأصوات المدوِّية، بل بالإنجيل البسيط. إذًا، لماذا كانوا يرفعون من قيمة الفلسفة إلى تلك الدرجة ويعظِّمون المبشِّرين الذين كانوا يسعون لأن يجعلوا رسالة الإنجيل مستساغة لدى الحكماء العالميين؟
لو كان الناس يرغبون في تكوين كنيسة لاجتهدوا أن يضموا إليهم أبرز شخصيات المجتمع. إلا أن العدد 26 يُعلّمنا أن الناس الذين يرفِّعهم البشر إلى تلك الدرجة من السمو، يتجاهلهم ﷲ، والذين يدعوهم، ليسوا مَن يعتبرهم العالم عظماء على وجه العموم.
«اختار ﷲ جُهَّال العالم ليخزي الحكماء، واختار ﷲ ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء». وعلى حد قول أريك سَوُر Erich Sauer: «بقدر ما تكون المادة الأولية دونًا، تكون كرامة المُعلِّم أعظم إن أمكن الوصول إلى المستوى الفني نفسه؛ وبقدر ما يكون الجيش صغيرًا، يكون الثناء كبيرًا لمحقِّق النصر، إن أمكن إحراز النصر الكبير نفسه».
لقد استخدم ﷲ الأبواق لإسقاط أسوار أريحا، وخفّض عدد أفراد جيش جدعون من 32000 إلى 300 لدحر جيوش مديان، واستعمل منساس البقر (مِنخَس) بيد شمجر بن عناة لهزيمة 600 فلسطيني من القدامى. وبفك حمار مكّن شمشون من ضرب جيش كامل. وربِّنا أشبع أكثر من 5000 بعدد قليل من الأرغفة والسمك.
ولكي يتشكَّل ما أسماه البعض «جيش ﷲ ذو الرتب الخمس من الجهّال»، يضيف بولس أدنياء العالم والمزدرى وغير الموجود. إنّ ﷲ باستعماله موادَّ رخيصةً مثل هذه يُبطل الموجود. بكلمات أخرى، يحبُّ ﷲ أن يُرفِّع أناسًا لا مقام لهم بنظر العالم ويستخدمهم ليمجد نفسه. إن من شأن هذه الأعداد أن توبِّخ المؤمنين الذين يتملقون الشخصيات البارزة والمعروفة ولا يعيرون إلا قليلاً أو لاشيء من الإعتبار لقديسي ﷲ الأكثر تواضعًا. إن قصد ﷲ من وراء إستخدام مَن لا قيمة لهم بنظر العالم هو أن كل المجد يجب أن يعود له، وليس لإنسان. فما دام الخلاص يتآتى منهُ بكامله، فإنَّهُ وحدَہُ من يستحق الحمد والثناء.
يؤكد العدد 30، أكثر مما قيل آنفًا، أنَّ كل ما نتكوّن منه وكل ما عندنا هو منهُ، ليس من الفلسفة، وبالتالي لا مكان للإفتخار البشري. هذا ويمكن إعادة صياغة العدد كالتالي: «لكن به (ﷲ) وضعت أنت في المسيح يسوع، الذي صار لنا حكمة من ﷲ، وبرًّا وقداسةَ وفداءً.
قبل كل شيء، صار المسيح لنا حكمة. إنَّه هو حكمة ﷲ (ع24)؛ والشخصُ الذي اختارته حكمة ﷲ طريقًا للخلاص. لذا فإننا عندما نمتلكهُ نمتلك حكمة تتعلَّق بمقامنا وتضمن خلاصنا الكامل. ثانيًا هو بِرّنا. بالإيمان به نُحْسَب أبرارًا من قِبَل إله قدّوس. ثالثًا، هو قداستنا. وليس لدينا في أنفسنا شيءٌ من القداسة الشخصية، لكننا فيه نحن مقدّسون مَقَامًا، وبقوّتِه نترقّى من درجة من القداسة إلى أخرى. أخيرًا، هو فداؤنا، وهذا التعبير يتكلّم بلا شك عن الفداء في شكلهِ النهائي عندما يعود الرَّب ويأخذنا إليه لنكون معهُ، وعندما نُفدى – روحًا ونفسًا وجسدًا.
لقد بيَّن ترايل Trail الحقّ بوضوح عندما قال: «الحكمة خارج المسيح حماقة. البرُّ خارج المسيح جٌرم ودينونة. القداسة خارج المسيح نجاسة وخطيئة. والفداء خارج المسيح هو قيود وعبودية».
إن بيرسون A.T. Pierson يربط ما بين العدد 30 وحياة ربِّنا وخدمتُه، فيقول: إن أعمالَهُ وكلامَهُ وأفعالَهُ تُظهرهُ بصفته حكمة ﷲ. ثم يأتي موتُه ودفنهُ وقيامتهُ، وهذه تتعلق ببرِّنا (تبريرنا). ثم سيْرهُ مع الناس لمدة أربعين يومًا، وصعوده إلى السماء، وموهبة الروح القدس، وجلوسه عن يمين ﷲ، وهذه تتعلق بقداستنا (تقديسنا)، ثم بمجيئهُ ثانيةً، والذي له علاقة بفدائنا.
يرى البعض في عدد 30 تقسيماً للرسالة بأكملها وذلك على النحو التالي:
الحكمة     أصحاح 1-4
البرّ        أصحاح 5-10
التقديس    أصحاح 11-14
الفداء         أصحاح 15
تذييل        أصحاح 16
لقد رتّب ﷲ كلّ الأمور بحيث أن جميع هذه البركات تأتي إلينا بالرَّب يسوع المسيح. واحتجاج بولس بالتالي هو «لماذا الإفتخار بالناس؟» إنهم لا يقدرون أن يعملوا أيًّا من هذه الأعمال لأجلكم!
4- قدوة بولس في كورنثوس قد حسبت لتمجيد ﷲ وليس لذاته (1:2-5)
يذكِّر الرسول الآن القديسين بخدمتِه بينهم، وكيف سعى لأن يمجد ﷲ وليس نفسَه. لقد سبق أن جاء إليهم مناديًا لهم بشهادة ﷲ، وليس بسمو الكلام أو الحكمة. ولم يكن مهتمًّا قَطّ بأن يتباهى بنفسهِ كخطيب أو فيلسوف، مما يبين أنَّه ميَّز الفرق بين الخدمة المتَّسمة بأنَّها نفسية، وتلك التي تتسم بأنّها روحيَّة. وبالخدمة النفسية نعني الخدمة التي تسلِّي وترفَّه عن النفس، أو التي تخاطب عواطف الإنسان بشكل عام. أما الخدمة الروحية فهي تقدِّم حقّ كلمة ﷲ بطريقة تمجِّد المسيح وتصل إلى القلب والضمير لدى السامعين.
لقد كان مضمون رسالة بولس «يسوع المسيح وإيّاه مصلوبًا». «يسوع المسيح» إشارة إلى شخصهِ، «وإيَّاه مصلوبًا» إشارة إلى عمله. إن شخص الرَّب يسوع وعمله يشكِّلان لُبَّ الإنجيل المسيحي.
يؤكّد بولس في ع3 أنَّ سلوكه الشخصي لم يكن مثيراً للإعجاب ولا ذا جاذبيَّة، لأنَّهُ كان بين أهل كورنثوس في ضعف وخوف ورعدة كثيرة. فقد كان كنز الإنجيل محفوظاً في إناءٍ خزفيّ لكي يكون فضل القوّة لله وليس لبولس. لقد كان هو بذاته مثالاً حول كيف يستخدم ﷲ الأنية الضعيفة ليخزي الأقوياء. لم يكن كلام بولس ولا كرازته بكلام حكمة مقنع، بل باستعلان الروح والقوة. رأى البعض أن «كلامهُ» يُشير إلى المادَّة التي قدّمها و«الكرازة» إلى الأسلوب في تقديم البشارة. ويعرِّف آخرون «كلامَهُ» بأنه شهادته للأفراد، و«كرازتهُ» بأنها رسائله للجماعات. ومهما كان، فإنّ الرسول، بحسب مقاييس هذا العالم، ما كان ليفوز في مباراة خطابية. ومع ذلك استخدم روح ﷲ الرسالة لإحْداث تبكيت على الخطيئة ورجوع إلى ﷲ.
لقد أدرك بولس وجود خطرٍ كبير يهدّد باحتمال أن يكون سامعوه مهتمِّين به هو أو بشخصيته بالذات وليس بالرَّب الحيّ. وإدراكًا منه لعجزه عن أن يبارك أو يخلّص، فقد عزم على أن يقود الناس لكي يعتمدوا على ﷲ وحده وليس على حكمة الناس. إن كل الذين ينادون برسالة الإنجيل أو يعلّمون كلمة ﷲ يجب عليهم أن يجعلوا هذا الأمر هدفهم الثابت.
5- الحكمة الإلهية التي يعلنها الإنجيل  (6:2-16)
أ- إنها حكمة إلهية بمصدرها (2: 6و7)
قبل كل شيء، الحكمة المُعلَنة في الإنجيل هي سماويَّة في مصدرها (ع6و7). نتكلم بحكمة بين الكاملين (أو الناضجين) ولكن بحكمة ليست من هذا الدهر، ولن تُعتبَر الحكمة في عيون عظماء هذا الدهر الذين حكمتُهم شيءٌ باطل  نظير أنفسهم، لفترة زمنية قصيرة جدّاً.
ب- هذه الحكمة كانت مخفية من ﷲ عن أعين العالم (7)
نتكلم بحكمة ﷲ في سرّ (ع 7). السِّرُّ في العهد الجديد حقّّ لم يُعلن من قبل، لكنه كُشف الآن للمؤمنين على يد الرسل والأنبياء في أوائل عصر الكنيسة. هذا السِّر هو الحكمة المكتومة التي سبق ﷲ فعيّنها قبل الدهور لمجدنا. إن سرّ الإنجيل يتضمَّن حقّائق رائعة مثل كون اليهود والأمم الآن جُعِلوا واحدًا في المسيح؛ وكون الرَّب يسوع سيأتي ويأخذ شعبَهُ المنتظِرين ليكونوا معه؛ وكون المؤمنين لن يرقدوا كلُّهم ولكنَّهم سيتغيرون جميعهم.
ج -هذه الحكمة لم تكن معروفة لعظماء هذا الدهر أيام المسيح ( ع 8)
وقد يشير تعبير «عظماء هذا الدهر» (ع 8) إلى كائنات روحية شيطانية في السماويات، أو بالأحرى إلى عملائهم البشر على الأرض. إنّ هؤلاء لم يفهموا حكمة ﷲ المكتومة (المسيح على الصليب) ولم يُدركوا أن قتلهم إبن ﷲ القدّوس سَيَؤول إلى هلاكهم بالذات لأنهم لو عرفوا طرق ﷲ لما صلبوا ربّ المجد.
تصف لنا الأعداد 9 -16 عمليات الإعلان والوحي والإستنارة، فهي تخبرنا كيف أُعلِنت هذه الحقّائق الرائعة بالروح القدس، للرسل، وكيف هم بدورهم نقلوا هذه الحقّائق إلينا بوحي من الروح القدس، وكيف نفهمها بإستنارة الروح القدس.
د. الرؤيا المعلنة للرسل بواسطة الروح القدس (9:2-12)
 إنّ الإقتباس في العدد 9 من إشعياء4:64 هو نبوءَة تقول إنَّ ﷲ كان قد احتفظ بحقائق رائعة لا يمكن إكتشافها بالحواس الطبيعية لكن في الوقت المعيّن سيعلنها للذين يحبونه. يُذكَر هنا ثلاث حواس هي العين والأذن والفكر (أو الذهن) بها ندرك الأشياء الأرضية، إلا أن هذه الحواس ليست كافية لقبول الحقّائق الإلهية التي تحتاج حتمًا إلى روح ﷲ.
 هذا العدد يُفسَّر على أنّهُ يُشير عادةً إلى الأمجاد السماوية، وحالما يستقر هذا المعنى في عقولنا يعسر علينا زحزحته لاحقًا لنقبل أي معنى آخر. إلا أن بولس في الحقّيقة يتحدث هنا عن حقّائق تم إعلانها أوّل مرة في العهد الجديد. لم يكن بمقدور الإنسان الوصول إلى هذه الحقّائق من طريق الأبحاث العلمية أو التحريات الفلسفية. إن العقل البشري لو تُرك لنفسه فليس بإمكانه أبدًا اكتشاف الأسرار الرائعة التي أُعلِنت في أوائل عصر الإنجيل. فالعقل البشري عاجز عجزاً تامًّا عن إكتشاف الحقّ الإلهي.
أما أن العدد 9 فلا يشير إلى السماء، وهذا يُستدل عليه من العبارة «فأعلنه ﷲ لنا نحن بروحه». بكلمات أخرى، هذه الحقّائق التي تنبأ عنها العهد القديم أُعلِنت لرسل العهد الجديد. والكلمة «نحن» تشير إلى كُتّاب العهد الجديد. لقد كان بواسطة روح ﷲ أن الرسل والأنبياء تلقّوا الإستنارة، لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق ﷲ. بكلمات أخرى، إنّ روح ﷲ، أحد أقانيم اللاهوت، هو غير محدود في الحكمة، ويفهم كل حقّائق ﷲ، وبمقدوره أن ينقلها إلى آخرين.
هذا وحتى في الشؤون البشرية لا أحد يعلم ما يفكر به الإنسان إلا الإنسان نفسه. ليس آخر يمكنه أن يكتشف فكرَہُ ما لم يقرِّر ذلك الإنسان نفسه أن يُعلن ذلك الفكر. حتى عند ذلك، ولفهم الإنسان، ينبغي لطالب الفهم أن تكون لهُ روح الإنسان. فالحيوان لا يقدر أن يفهم أفكارنا فهماً تاماً. وهكذا هو الحال مع ﷲ. فالشخص الوحيد القادر أن يفهم أمور ﷲ هو روح ﷲ.
إن الكلمة «نحن» في العدد 12 تشير إلى كتّاب العهد الجديد، مع أنها تنطبق على جميع كتّاب الكتاب المقدس. فما دام الرسل والأنبياء قبلوا الروح القدس، فقد كان بإمكانه أن يُطلعهم على حقّائق ﷲ العميقة، ذلك هو ما يقصده بولس عندما يقول في هذا العدد: «ونحن لم نأخذ روح العالم بل الروح الذي من ﷲ لنعرف الأشياء الموهوبة لنا من ﷲ. فلولا «الروح الذي من ﷲ» ما كان باستطاعة الرسل قبول الحقّائق التي يتكلم عنها بولس والتي حُفِظت لنا في كتاب العهد الجديد.
ه-  لقد نقَلَ الرُّسل وحي الروح القدس للآخرين (13:2)
بعد وصف عملية الإعلان التي بها قَبِل كُتّاب الكتاب المقدس الحقّ من ﷲ، يمضي بولس إلى وصف عملية الوحي التي بواسطتها تمّ توصيل ذلك الحقّ إلينا. إن العدد 13هو واحد من أقوى المقاطع التي تتضمَّنها كلمة ﷲ بشأن الوحي الحَرْفي. إن الرسول بولس يذكر بوضوح أنه، في نقل هذه الحقّائق لنا، لم يتكلم الرسل بأقوال من اختيارهم ولا بأقوال تعلّمها حكمة إنسانية. بل تكلّموا بالأقوال عينها التي علّمهم إياها الروح القدس. وهكذا نحن نؤمن بأن كلمات الأسفار المقدسة الفعلية، كما جاءَت في المخطوطات الأصلية، هي كلمات ﷲ بعينها (وأن الكتاب المقدس في شكله الحاضر هو بكامله جدير بالثقة).
عند هذه النقطة تثور عاصفة من الإعتراض، حيث يفهم بعض الناس ما قلناه بمعنى الإملاء الآليّ (الميكانيكي)، كأن ﷲ لم يسمح للكتّاب بأن يستعملوا أسلوبهم الخاص، ومع ذلك وعلى سبيل المثال، نعلم أن أسلوب بولس الإنشائي يختلف تمامًا عن أسلوب لوقا، فكيف يمكننا إذًا التوفيق بين الوحي الفعلي والأسلوب الفردي الواضح للكتّاب؟ الحقّيقة أنه بطريقة ما لا نفهمها، أعطى ﷲ الكلمات عينها الواردة في الكتب المقدسة، ومع ذلك فقد طبع تلك الكلمات بالأسلوب الفردي للكتّاب. متذكرين أنه يجب ألاّ يكون لدينا مشكلة مع فكرة الإملاء الألي. لكن لماذا يجب  أن يكون لدينا مشكلة على أية حال؟ فعندما يملي مدير ما رسالة لسكرتيره فإنَّهُ يريد أن تُدَوَّن تماماً كما يمليه، ولا يريد ان يُدخِل أفكاره أو تعابيره الخاصة. فإذا كان للمدير هذه الصلاحية فهل ننكره حقّّ ﷲ في ذلك؟
إن العبارة «قَارِنِينَ الرُّوحِيَّاتِ بِالرُّوحِيَّاتِ» يمكن شرحها بعدة طرق. فقد تعني: 1- تعليم حقّائق روحية بكلمات معطاة من الروح؛ أو 2- توصيل حقّائق روحية إلى أناس روحيين؛ أو 3- مقارنة حقّائق روحية في جزء من الكتاب المقدس بمثيلاتها في جزء آخر. إننا نعتقد أن التفسير الأول يتفق مع القرينة أكثر من غيره. فبولس يقول إن عملية الوحي تتضمن نقل الحقّ الإلهي بكلمات إختارها الروح القدس خصيصًا لذاك الغرض. من هنا يمكننا إعادة صياغة العبارة لتصبح: «مقدمين الحقّائق الروحيّة بكلمات روحية».
يتم الإعتراض في بعض الأحيان على المقطع بأنه لا يمكن أن يشير إلى الوحي، لأن بولس يقول «نتكلم» وليس«نكتب». ولكنّه ليس أمرًا غير عادي أن نجد الفعل «يتكلم» مستعملاً بالإشارة إلى الكتابات الموحى بها (مثلاً يوحنا38:12و41؛ أعمال25:28؛ 2بطرس21:1).
3. إستنارة (14:2-16)
ليس الإنجيل إلهيًا في إعلانه وإلهيًا في وحيه وحسب، بل نتعلم الآن أنَّه يمكن قبوله فقط بقوة روح ﷲ. فبغير مساعدةٍ الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح ﷲ، لأنه جهالة في نظره. ولا يمكنه أن يفهمه لأنه لا يُفهم إلاّ روحيًّا.
يُعلِّق فانز هاڤنر Vance Havner بما يلي: المؤمن الحكيم لا يُضيّع وقتًا محاولاً شرح برنامج ﷲ لأناس غير مؤمنين؛ ذلك سيكون بمثابة طرح اللآلئ قدام الخنازير. أكان يمكنه بالحريّ وصف غروب الشمس لإنسان أعمى، أو مناقشة الفيزياء النووية مع نصب تذكاري في حديقة المدينة؟ إنّ الإنسان الطبيعي لا يقدر أن يقبل أمورًا كهذه، وأسهلُ على المرء أن يحاول الإمساك بأشعّة الشمس بصنّارة صيد السمك من أن يمسك إعلان ﷲ بغير مساعدة من الروح القدس. وما لم يكن الإنسان قد ولد من الروح وتعلَّم منه يبقى كل ذلك غريبًا عليه. أن يكون الشخص حاصلاً على الدكتوراة فذلك لا يساعد. لأنه في هذه الحقّل قد يعني «تفجيراً مروِّعًا».
يخبرنا العدد 15 أن الإنسان الذي أناره روح ﷲ يمكنه تمييز هذه الحقّائق الرائعة، مع أنه هو نفسه لا يمكن أن يُحكم فيه بشكل صحيح من قِبَل غير المؤمنين. ربما كان نجّارًا، أو سمكريًّا، أو صيادًا؛ ومع ذلك فهو تلميذ قدير في فهم النصوص المقدسة. حقًّّا قيل إنَّ «المؤمن الذي يسيطر عليه الروح القدس يتحرّى ويستقصي ويدقِّق النظر في الكتاب المقدس، ويصل إلى استيعاب محتوياته وتقويمها بقيمتها الثمينة». بالنسبة إلى العالم، هو مغمور أو نكرة. ربّما لم يلتحق بجامعة أو كلية لاهوت، ومع ذلك يقدر أن يفهم الأسرار العميقة في كلمة ﷲ، ولعلَّه يعلِّمها لآخرين أيضاً.
الآن يسأل الرسول في العدد 16 السؤال البيانيّ: «من عرف فكر الرَّب فيعلّمه؟». إن هذا السؤال يجيب على نفسه بنفسه، ذلك أنّ ﷲ لا يمكن معرفته من طريق حكمة الإنسان أو قوّته. إنه يُعرَف فقط بالطريقة التي يختارها هو لإعلان نفسه. وعلى كل حال فالذين عندهم فكر المسيح يمكنهم أن يفهموا حقّائق ﷲ العميقة.  
أوَّلاً، هناك الإعلان (ع9-12)، وهذا يعني أن ﷲ أعلن للبشرية، بالروح القدس، حقّائق لم تكن معروفة من قبل. وهذه الحقّائق صارت معروفة بطريقة فائقة للطبيعة بروح ﷲ.
ثانيًا، هناك الوحي (ع13). وفي نقل هذه الحقّائق للآخرين، استخدم الرسل (وجميع كتّاب الكتاب المقدس الآخرين) الكلمات عينها التي علّمهم إياها الروح القدس.
أخيرًا، هناك الإستنارة (ع14-16). فهذه الحقّائق، كان ينبغي أن تُعلَن بطريقة عجيبة، كما أوحي بها بطريقة عجيبة، وأيضاً لا يمكن أن تُفهَم إلا بقوة الروح القدس الفائقة الطبيعة.