دورة: الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس

الدرس: الفصل الأول - معونة ﷲ في الضيقات

>


معونة ﷲ في الضيقات
(كورنثوس الثانية١:١-١٤)
إنّ أحد الأسباب التي تجعلنا نحب الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس بشكل كبير هو أنها شخصية للغاية. يبدو أننا نتقرب هنا من قلب الرسول بولس أكثر من أي من كتاباته الأخرى، فنشعر بالحماس الهائل الذي يعتريه نحو عمل الرَّب، وينتابنا شعور بالكرامة نحو نداء الحياة الأعظم. نقرأ بذهول صامت قائمة العذابات التي تحملها، نختبر حرارة السخط المندفع الذي أجاب به نقاده العديمي الضمير. باختصار، يبدو أن الرسول بولس يدعونا للولوج إلى أعماق روحه. ويتحتم علينا موافقة «سادلر – Sadler» حين يقول: «إنَّ شفافية وحي بولس هي بالنسبة لي لا مثيل لها في أي من الكتابات المقدسة».
يسجِّل الأصحاح الثامن عشر من سفر أعمال الرسل زيارة الرسول بولس الأولى إلى كورنثوس، التي حدثت خلال رحلته التبشيرية الثانية مباشرة بعدما قدَّم خطابه المشهور في معبد مارس في أثينا.
قام الرسول بولس خلال وجوده في كورنثوس، بالعمل بصناعة الخيام مع أكيلا وبريسكلا في مدينة أثينا، وكان يعلِّم الإنجيل في المجمع هناك. لقد انضم إليه لاحقًا، في العمل التبشيري الذي إستمرّ على الأقل لثمانية عشر شهرًا، كلًاّ من سيلا وتيموثاوس القادمين من مقدونيا. (أعمال١١:١٨).
عندما رفض اليهود تعليمه، توجه بولس إلى الأمم. وفي الوقت الذي كان به كلًاّ من الأمم واليهود يخلُصون، اقتاد رؤساء اليهود بولس أمام الوالي غاليون الذي بدوره رفض القضية لأنها ليست من إختصاصه.
بعد المحاكمة، بقي بولس لأيام طويلة في كورنثوس وبعدها إنتقل إلى كنخاريا وأفسس ورجوعًا في رحلة مطولة إلى قيصرية وأنطاكيا.
في رحلته التبشيرية الثالثة، رجع بولس إلى أفسس وبقي هناك لمدة ثلاث سنوات (أعمال٣١:٢٠)، خلال هذه الإقامة، زاره وفد من كورنثوس طالبًا منه المشورة في العديد من الأمور. وكإجابة على هذه الإستفسارات، كُتِبَت الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس.
كان الرسول بولس متلهِّفًا جدًّا لمعرفة طريقة تفاعل أهل كورنثوس مع رسالته، ولا سيما حُكمَه بشأن الأخ المخطئ. لذلك ترك أفسس متوجهًا إلى ترواس على أمل أن يلتقي بتيطس هناك، ولكنه لم ينجح بذلك لذا تابع طريقه إلى مكدونية. هناك وافاه تيطس بأنباء جيدة وسيئة معًا. لقد اتخذوا إجراءًا تأديبيًّا بحق الأخ المخطئ من قبل الكنيسة. وهذا الإجراء أسفر بالنتيجة عن رجوع الأخ المخطئ عن خطيَّته، كانت تلك أخبارًا جيدة. لكن المؤمنين في كورنثوس لم يرسلوا المعونة الماديّة لمؤمني أورشليم كما عزموا على ذلك قبلًا، وهذه كانت أخبارًا ليست جيدة. أخيرًا، بلَّغ تيطس عن نشاط معلمين كذبة في كورنثوس يفسدون عمل الرسول بولس ويشكِّكون بسلطانه الرسولي. وتلك كانت أخبار سيئة أيضًا.
هذه هي الظروف التي دعت بولس لكتابة رسالته الثانية لأهل كورنثوس من مقدونيا ربما حوالي عام ٥٧ ميلاديَّة.
إنَّ معظم علماء الكتاب المقدّس يرون تقسيمًا ثلاثيًّا في هذه الرسالة:
الأصحاحات١-٧    توضيح شخصي لخدمة بولس، يتضمن تعليمات إضافية لكيفية تجديد الشركة الروحيّة للأخ المخطئ
الأصحاحات٨-٩    تحفيزهم من خلال التمسك بعزمهم لجَمع المعونات لمؤمني أورشليم
الأصحاحات١٠-١٣ جواب بولس لكل من يهاجم رسوليته
في الرسالة الأولى، يظهر بولس في المقام الأول كمعلم، لكنه في رسالته الثانية نراه يتكلَّم كراعي. وإذا أصغيت جيدًا، ستسمع نبضات قلب شخص لديه حب حقيقي لشعب ﷲ وقد بذل نفسه لأجل خيرهم الروحي.
إنَّ هذه الرسالة صعبة. وأقل ما يُقال، إنَّ هناك عدم وضوح لمعنى الكثير من الأعداد. لذلك، هناك عدة تفسيرات لها:
١. يستخدم الرسول بولس قدرًا كبيرًا من التهكّم الأدبي، ولكن من الصعب أحيانًا أن نعرف أين يفعل ذلك.
٢. لكي نفهم بعض المقاطع فهمًا صحيحًا، علينا أن نعرف المزيد عن سفراته بالتحديد، وسفرات رفقائه والرسائل التي كتبها.
٣. إنَّ هذه الرسالة شخصية بقدر كبير، وكلماته فيها هي غالبًا ما تكون لغة القلب، وهذه ليست دائمًا لغة يسهل فهمها. لكن، لا ينبغي للصعوبات أن تثنينا، مع أنها لا تؤثر على الحقائق الأساسيّة في الرسالة ولكنها تؤثر فقط على التفاصيل.
إنَّ رسالة كورنثوس الثانية هي رسالة مستحبَّة كثيرًا ويتم الإقتباس منها كثيرًا أيضًا، عندما تنتهي من دراستها ستعرف السبب بشكل أفضل.
لذلك، هيا بنا نبدأ هذه المغامرة الكبرى، وبينما ندرس هذه الأفكار الحيَّة والكلمات المُشعَّة، دعونا نفعل ذلك بالصلاة وبإستنارة الروح القدس.
بولس يُبلِّغ تحياته (١:١-٢)
يُقدِّم بولس نفسه في مطلع رسالته بصفته رسول يسوع المسيح بمشيئة ﷲ، إنهُ لمن المهم جدًّا أن يعرِض هذهِ المسألة منذ البداية لأنه، كما ذكرنا في المقدمة، كان هناك أولئك الكورنثيين الذين أثاروا مسألة ما حول حقيقة دعوته من الرَّب، وكان جوابه أنه لم يختر هذه الخدمة بنفسه ولم يعيَّن من قبل الناس ولكنه قد أُرسل لهذه الخدمة من قبل الرَّب يسوع المسيح بحسب مشيئة ﷲ.
إنَّ دعوته ليكون رسولًا حصلت إثناء سفره على طريق دمشق. وما حصل معه كان إختبارًا لا يُنسى في حياته، وكان وعيه لهذه الدعوة الإلهية هو ما سانده في ساعاتٍ عصيبة عديدة. ففي أثناء الخدمة للمسيح، غالبًا ما كان يقع تحت وطأة الضغوط التي تفوق الإحتمال، فكان من المحتمل جدًّا أن يستسلم تمامًا ويعود إلى بيته لو لم يكن واثقًا من الدعوة الإلهية.
إن حقيقة ذكر تيموثاوس في العدد الأول لا تعني أنه شارك في نصّ هذه الرسالة وإنما يدل على أنه كان برفقة بولس أثناء كتابته لهذه الرسالة. ومن جهة أُخرى، فإن تحركات تيموثاوس في تلك الفترة لا يُعرف شيء مؤكد عنها.
وُجِّهت الرسالة إلى كنيسة ﷲ التي في كورنثوس مع القديسين أجمعين الذين في جميع أخائيَّة. إنَّ عبارة «كنيسة ﷲ» تعني أنّ الجماعة هي مجموعة من المؤمنين الذين يخصُّون ﷲ. فهم لم يكونوا جماعة وثنية أو تجمعًا غير ديني، بل حشدًا من المسيحيين المولودين ثانية، المدعوِّين للخروج من العالم والإنضمام إلى الرَّب. لا شك أنَّه فيما كان بولس يكتب هذه الكلمات تذكَّر كيف كان قد ذهب إلى كورنثوس وكرز بالإنجيل هناك، وحصل بالنتيجة أنَّ عددًا من الرجال والنساء الغارقين في الوثنية والمنغمسين في الفجور قَبِلوا يسوع المسيح ربًّا ونالوا الخلاص بنعمته العجيبة. وبالرغم من كل الصعوبات التي واجهت الجماعة في ما بعد، فقد كان قلب بولس، دون شك، يفرَح ويبتهج للتغيير الكبير الذي حصل في حياة هؤلاء الأعزَّاء.
وُجِّهت هذه الرسالة ليس للكنيسة في كورنثوس فقط بل للقديسين أجمعين الذين في جميع أخائيَّة. لقد كانت أخائيَّة تمثل الجزء الجنوبي من اليونان، أمَّا مكدونيَّة التي سنقرأ عنها لاحقًا في هذه الرسالة فتشكل القسم الشمالي من تلك البلاد.
إنّ كلمتي «نعمة… وسلام» تشكِّلان التحية الحلوة التي بِتنا نُقرنها بالرسول المحبوب بولس. فهو عندما يعبِّر عن تمنيَّاته الكبرى لشعب ﷲ لا يطلب لهم الأشياء المادية، كالفضة والذهب فهو يعلم جيدًا بأنّ هذه الأشياء تتلاشى سريعًا. إنَّما يطلب لهم بركات روحية، مثل النعمة والسلام الَّلذين يشملان كل شيء صالح يمكن أن يحصل عليه خاطئٌ مسكين على هذه الأرض. يقول دِني – Denny في تفسيره لهذه الرسالة: «إنّ النعمة هي كلمة الإنجيل الأولى والأخيرة، والسلام - أي الصحة الروحية التامة - هما عمل المسيح المُنجَز في النفس».
لاحظ أنّ هذه البركات تنبثق من ﷲ أبينا ومن الرَّب يسوع المسيح. فالله أبونا هو المنبع والرَّب يسوع المسيح هو القناة. لا يتردد بولس في وضع الرَّب يسوع المسيح جنبًا إلى جنب مع ﷲ الآب لأن المسيح، كونه أحد الأقانيم الثلاثة، مُساوٍ لله الآب.
الشكر لأجل التعزية الإلهية في الألم (٣:١ -٧)
في الأعداد ٣-١١، ينطلق الرسول بالشكر على التعزية التي تعزَّى بها وهو وسط كربه وضيقه. لاشكَّ أن التعزية تمثَّلت في الأخبار الطيبة التي حملها إليه تيطس وهو في مكدونيَّة. ويمضي الرسول ليبيّن أنه سواء كان يتضايق أو يتعزَّى، فإن كل شيء يتحوَّل في النهاية إلى خير المؤمنين الذين يخدمهم.
إنّ الشكر موجَّه إلى إله وأبي ربنا يسوع المسيح. هذا هو اللقب الكامل لله في العهد الجديد، إذ إنَّه لم يعُد يُخاطَب بوصفه إله إبراهيم أو إله إسحاق أو إله يعقوب. إنَّه الآن إله وأبو الرَّب يسوع المسيح. إنَّ هذا الإسم، بالمناسبة، يفيد الحقّ العظيم بأن الرَّب يسوع هو ﷲ وإنسان في آن واحد. فالله هو إله ربنا يسوع المسيح، وهذا ما يشير إلى علاقته بيسوع إبن الإنسان. ولكن ﷲ هو أيضًا أبو ربنا يسوع المسيح. وهذا يشير إلى علاقته بالمسيح، إبن ﷲ.
علاوة على ذلك، يوصف ﷲ بأنَّه أبو الرأفة وإله كل تعزية. ومن هذا نتعلَّم بأنَّ كل رأفة وكل تعزية تنبع منه.
كان بولس في كل ضيقاته يلمس حضور ﷲ المعزِّي. وهنا في العدد الرابع يذكر واحدًا من الأسباب العديدة لتعزية ﷲ لنا، حتى نستطيع بدورنا أن نُعزِّي الذين هم في كل ضيقة بالتعزية التي نتعزَّى بها نحن من ﷲ. وكما قال أحدهم: «نحن لا نتعزَّى لكي نتمتع براحتنا بل لكي لنقوم بدور المعزِّين».
بالنسبة لنا، إنَّ كلمة «تعزيَّة» تعني عادة المواساة في وقت الحزن؛ لكن حسب إستعمالها في العهد الجديد تعني أكثر من ذلك. إنَّها تشير إلى التشجيع والنصح اللذين يأتياننا من شخص يقف إلى جانبنا وقت الحاجة.
يوجد لنا درس عملي في هذا العدد، إذ يجب علينا أن نتذكر، عندما نتعزَّى، أن نمرِّر هذه التعزية للغير. علينا ألاَّ نتحاشى غرفة المرض أو بيت الموت، بل نهرع إلى جانب من يحتاجون إلى التشجيع.
يقدِّم بولس، عدة مرات في هذه الرسالة، فكرة أن آلام المسيح هي آلام يشاركه فيها شعبه في عالم اليوم. فما الذي يعنيه بهذا؟ أوَّل كل شيء، نحن نعلم بأن «آلام المسيح» هنا لا يمكنها أن تشير إلى آلام المخلِّص الكفَّارية. فهذه كانت فريدة من نوعها، إذ ليس بإمكان أي إنسان أن يشاركه فيها. لكن الرَّب يسوع تعذَّب أيضًا على أيدي البشر لذلك فإنّ كل من يسعى لكي يتبعه فهو مدعوٌ أيضًا أن يتبع خطواته، ومن هذا المنطلق تمكَّن بولس من القول بأن آلاَمُ الْمَسِيحِ تَكْثُرُ فِيه (عدد ٥). لقد كان كثير الشَّبه بالمسيح في العالم الذي حصل منه على نفس المعاملة التي حصل عليها سيِّده. ولكن كان له تعويض غني جدًّا مقابل كل هذه المعاناة، وذلك أنه كان له حصة مماثلة من التعزية التي منحها له المسيح.
في العدد السادس، يرى الرسول الخير ناتجًا من ضيقه ومن تعزيته، حيث أنَّ كلاهما تقدَّسا بالصليب كما نتج عن كليهما مساعدة للكورنثيين. «فَإِنْ كُنَّا نَتَضَايَقُ فَلأَجْلِ تَعْزِيَتِكُمْ وَخَلاَصِكُمُ، الْعَامِلِ فِي إحْتِمَالِ نَفْسِ الآلاَمِ الَّتِي نَتَأَلَّمُ بِهَا نَحْنُ أَيْضًا». هذا يعني أنَّه ولأن بولس نفسه قد تألَّم فإنّ تعزيته ستكون نافعة بشكل خاص للكورنثيين الذين كانوا مدعوّوين إلى تحمل نفس النوع من الآلام، والذي هو الإضطهاد. وبهذه الطريقة نجحت آلام الرسول بتعزية وخلاص أهل كورنثوس. والخلاص هنا لا يشير إلى خلاص نفوسهم بل بالأحرى خلاصهم من مضطهديهم.
عندما وجد صموئيل رذرفورد Rutherford نفسه في «قبو الشدَّة»، وكثيرًا ما حصل ذلك، أخذ ينظر حوله بحثًا عن «فرح الرَّب الأفضل». ولعلَّه فعل ذلك متعلِّمًا من بولس الذي سعى دائمًا لإكتشاف قوس قزح من خلال دموعه.
«أَوْ نَتَعَزَّى فَلأَجْلِ تَعْزِيَتِكُمْ وَخَلاَصِكُمْ». في الواقع، إنَّ معظم المترجمين يتركون كلمة «الخلاص» في الجزء الأخير من هذا العدد. إنَّ هذه الفكرة هي ببساطة كون التعزيَّة التي نالها الرسول من شأنها أن تملأ الكورنثيين بالتعزية وتُلهِمهم صبر الإحتمال وهم يجوزون في الإضطهاد عينه الذي عاناه هو. فإنَّ الذين يمرّون في الإمتحانات الصعبة والقاسية هم وحدهم المؤهَّلون بأن يقولوا الكلمة المناسبة لمن يُدعَون إلى الإجتياز في الإمتحانات عينها. إن الأم التي فقدت طفلها الوحيد تستطيع أن تعزِّي أفضل من غيرها أُمًّا أخرى قد نزل بها هذا المصاب الأليم. أو أفضل من كل هؤلاء الآب السماوي الذي فقد إبنه الوحيد، يمكنه أكثر من أي شخص آخر أن يعزِّيَ من فقدوا أحبَّاءً لهم.
في العدد السابع، يُعبِّر بولس عن ثقته بأنَّه كما عرف الكورنثيون معنى الألم من أجل المسيح، فإنَّهم سيختبرون معنى معونة المسيح المعزِّية. إن الآلام لا تأتي وحدها للمؤمنين، إنها متبوعة دائمًا بتعزيات المسيح. ونحن أيضًا نستطيع الوثوق بهذا كما فعل الرسول بولس.
شكر لأجل الخلاص الإلهي (٨:١-١١)
بعد أن تكلم بولس بصورة عامة عن الضيق والعزاء، يشرع الآن في الكلام بالتحديد عن إمتحانٍ قاسٍ مرَّ به من وقت قريب. إنه لا يريد لإخوة كورنثوس أن يجهلوا الضيقة التي أصابته في أسيَّا. (أسيا هنا لا تعني قارة أسيا بل تعني إقليمًا من الجزء الغربي الذي يُعرف الآن بآسيا الصغرى). لكن من أي نوع كانت تلك الضيقة التي تحدَّث عنها الرسول؟ لا يتفق دارسوا الكتاب المقدس على هذا التساؤل. فإنَّ معظمهم يعتقدون بأنها كانت الشغب الخطير في أفسس المذكور في (أعمال٢٣:١٩ -٤١) أو يشير بعضهم إلى أنها كانت مَرضًا مُميتًا، ويظنُّ آخرون أنَّها ربما تعني الأخبار المثبطة القادمة من كورنثوس. على أيَّة حال، فمن الخير أنَّ قيمة هذا المقطع ومتعته لا تعتمدان على معرفة التفاصيل الدقيقة.
ما يمكننا أن نعرفه هو أنَّ الضيقة كانت من الشدَّة بحيث أنَّ بولس تثقَّل جدًّا بشكل يفوق القدرة المألوفة والطبيعية على تحملها حتى يئس من الحياة.
يأخذ فيلبس Phillips على عاتقه تفسير هذا العدد كالتالي: «في ذلك الوقت سُحِقنا تمامًا. والعبء كان أثقل مما كان بإمكاننا تحمُّله. وفي الواقع حدَّثتنا نفوسنا بأن تلك كانت النهاية».
لقد كانت نظرة الرسول قاتمة ويائسة لدرجة أنَّه أحسَّ بأنَّه محكوم عليه بالموت (عدد٩). فلو سأله أحد وقتئذٍ: «أيَّهما تتوقع، الموت أم الحياة؟» لأجاب: «الموت».
لقد سمح ﷲ بأن يصل خادمه إلى تلك الدرجة من الخطر المحدق حتى لا يكون متَّكلًا على نفسه بل على ﷲ الذي يقيم الأموات. إنَّ عبارة «ﷲ الذي يقيم الأموات» هي بلا شك مرادفة للعبارة «ﷲ الكليِّ القدرة». فإنَّ من يقدر أن يقيم الموتى يكون هو الرجاء الوحيد لإنسان محكوم عليه بالموت، مثلما كان الرسول قد اعتبر نفسَه.
في العدد العاشر، يتكلَّم بولس عن النجاة في أزمنتها الثلاثة: الماضي (نَجَّى)، والحاضر (يُنَجِّي)، والمستقبل (سَيُنَجِّي). إنَّ التعليم العام المتوخَّى من هذا العدد واضح. أوَّلًا، إذا كان بولس يفكِّر بالشغب الذي وقع في أفسس، فهو عندئذٍ يشير إلى الطريقة التي إنتهى بها هذا الشغب فجأة، إذ نجا فعلًا (أعمال1:20). والرسول يعلم أن الإله الذي نجَّاه في الماضي هو نفسه قادر على أن ينجِّيه يومًا فيومًا، وسيستمر في تنجيته حتى تلك اللحظة النهائية الكبرى عندما يُحَرَّر تحرُّرًا كاملًا من كل ما في هذا العالم من ضيقات وشدائد واضطهادات.
في العدد الحادي عشر يفترض بولس، بسماحةِ روحه، أن مؤمني كورنثوس كانوا يصلّون لأجله وهو في محنته الكبرى. أمَّا واقع الحال فهو أن كثيرين أخذوا يذمُّونه، ولعلَّهم لم يذكروه البتَّة أمام عرش النعمة؛ ومع ذلك فهو مستعدَّ أن يفكر فيهم بنيَّة حسنة.
إنَّ العبارة: «مَا وُهِبَ لَنَا بِوَاسِطَةِ كَثِيرِينَ» تشير إلى هبة نجاته التي صارت له بواسطة صلوات أشخاص كثيرين. إنه يرى تلك النجاة باعتبارها نتيجة مباشرة لتشفُّع القديسين لأجله. فهو يقول: لأن كثيرين صلَّوا لأجله، فإن «أشخاصًا  كثيرين» يمكنهم الآن أن يشكروا ﷲ لأنَّه استجاب لصلواتهم.
إخلاص بولس في تعامله مع أهل كورنثوس (١٢:١-١٤)
في الأعداد 12 إلى 14، يُذكِّر بولس الكورنثيين بأن السبب الذي يجعله يشعر بإمكانيَّة الإعتماد على صلوات المؤمنين هو تعامله معهم بصراحة ووضوح. إنه يستطيع أن يفاخر بنزاهته معهم، وضميره يشهد له بأن سلوكه معهم اتصف بالبساطة وإخلاص ﷲ، أي الصدق الشفَّاف الذي يأتي من ﷲ. إنه لم ينحنِ قَطُّ لطُرق الجسديين. ولكنه عمل بشكل مكشوف أمام الجميع بالقوة (النعمة) غير المُستحَقَّة التي أمدَّە بها ﷲ. وهذا بالتأكيد كان ظاهرًا بطريقة خاصَّة للكورنثيين.
عندما يقول: «وَلاَ سِيَّمَا مِنْ نَحْوكُمْ»، فمن المحتمل جدًّا أنه يشير بشكل خاص إلى الأمر الذي سيناقشه لاحقًا، وذلك، بخصوص تغير ترتيباته. لقد أثار بعض خصومه الضجة لأنه لم يأت إلى كورنثوس، كما وعدهم في الأصل، وكأنّهُ لم يكن مخلصًا وصادقًا في الحقيقة. لكن بولس يحتج! بأنّهُ لم يكن هناك أي تحايل أو خداع في أي من علاقاته مع الكورنثيين. لقد كان صريحًا تمامًا معهم من دون مواربة.
إنَّه لمن الصعب نوعًا ما فهم العدد 13، إنَّ الصدق الذي ميَّز تعامُلاته الماضية يصحَّ على هذه الرسالة أيضًا. إنَّه يكتب بالضبط ما يقصد، وهم ليسوا بحاجة لأن يقرأوا بين السطور، فالمعنى ظاهر على السطح بسيطًا وواضحًا. إنَّه تمامًا ما يقرأون أو يفهمون، ويرجو أنهم يواصلون التمسُّك به إلى النهاية، أي طول حياتهم.
ليس ذلك فقط، لكنه كان يعني ما أقرّوا به أيضًا، أي أنّ ما عرفوه هو الأمر الواقع، وأعرب عن أمله في أن يواصلوا الإقرار بذلك حتى النهاية. وبكلمات أخرى، كان يرجو أن يعترفوا بسلطته وإخلاصه على الدوام، وكذلك صدقه في كل تعاملاته معهم.
يشرح العدد 14 بشكل كامل ما سبق وقاله بولس في العدد السابق، «كَمَا عَرَفْتُمُونَا أَيْضًا بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ». لقد اعترفت الكنيسة في كورنثوس ببولس اعترافًا جزئيًّا، أي ليس جميع المؤمنين اعترفوا به، لكن والمُخْلِصون الأوفياء فهموا هاتين الحقيقتين: أنهم سيفتخرون به وسيفتخر هو بهم في يوم الرب يسوع. «يوم الرب يسوع» هو بشكل خاص كرسيُّ المسيح حيث يجري تقويم خِدمة المفديين ومكافآتهم عليها. وكلَّما تطلَّع بولس إلى تلك المحاسبة نظر وجوه الذين نالوا الخلاص بواسطة خدمته. إنهم سيكونون سبب سروره وإكليل فرحه، وهم بدورهم سيُسرُّون لأنَّه كان الأداة التي استخدمها ﷲ لردِّ نفوسهم إلى المسيح.