دورة: إنجيل البشير متى

الدرس: الفصل الأول - متَّى ١-٢

>


متَّى ١-٢
سلسلة النسب الملكيَّة (١:١-٧)
قد يتعجّب من يقرأ العهد الجديد للمرَّة الأولى ويتساءل لماذا يبدأ متّى بشيءٍ يبدو مُمِلاًّ مثل شجرة نسب العائلة؟ وقد يظنّ أن لا فائدة تُرجى من قائمة الأسماء هذه، وهكذا يتخطّاها إلى حيث تبدأ الأحداث.
إنّ الحقيقة هي أنّ سلسلة النسب لا غنى عنها، فهي تضع الأساس لكل ما يتبع. فمن المستحيل أن يثبت متّى أنّ يسوع هو المسيح الملك، ما لم يبينّ أنه شرعيًّا من نسل داود ومن السلالة الملكيّة. ويبدأ متّى إنجيله حيث يجب، بدليل وثائقي، بأن يثبت بأنّ يسوع هو الوارث الشرعي لحقّ المُلك على عرش داود، عن طريق يوسف، زوج أمّه.
حسناً أن نتذكَّر أنّ سلسلة النسب هذه تتتبَّع نسب يسوع الشرعي بصفته مَلِك أُمَّة إسرائيل، أمّا سلسلة النسب في إنجيل لوقا فهي تتتبّع نسبه المباشر كإبن داود. يتتبّع متّى في أنسابه الخطّ الملكي المتحدَّر من سلالة داود بطريق إبنه سليمان الذي مَلَكَ بعده. أمّا لوقا فهو يتتبّع في نسبه مباشرة كإبن داود، عن طريق إبن آخر له هو ناثان. تنتهي هذه السلسلة في إنجيل متّى بيوسف الذي كان يسوع إبنه بالتبنّي. ومن المرجّح أنّ السلسلة في لوقا 3 تتتبّع أسلاف مريم التي كان يسوع إبنها فعلاً.
لقد أبرَمَ ﷲ مع داود، قبل ألف سنة، إتفاقًا غير مشروط واعدًا إياه بمملكة تدوم إلى الأبد، ونسل يحكم إلى الدهر (٢صموئيل١٢:٧-١٣). وقد تحقّق هذا العهد الآن في المسيح: لأنّه حيّ إلى الأبد ومملكته تدوم إلى الأبد، وهو سيملك إلى الأبد بوصفه إبن داود الأعظم.
يبدأ متَّى بعبارة: «كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ إبْنِ دَاوُدَ إبْنِ إِبْراهِيمَ». يوجد لهذه العبارة تعبير مشابه ورد في تكوين ١:٥: «هَذا كِتَابُ مَوالِيد آَدَم». فسفر التكوين يقدِّم آدم الأول، ومتَّى يقدِّم آدم الأخير. لقد كان آدم الأول رأس الخليقة الأولى، أو الخليقة الطبيعيّة. أمّا المسيح، فهو رأس الخليقة الجديدة، أو الخليقة الروحيّة. وبما أنه لن تكون هناك خليقة أخرى للإنسان، فالمسيح هو آدم الأخير.
إنّ موضوع هذا الإنجيل هو يسوع المسيح. ويقدّمه إسم يسوع بوصفه الرَّبَّ المخلّص. أما إسم المسيح فيقدِّمه بوصفه المسيَّا الذي طال إنتظار الشعب القديم له («المسيح» هو مصطلح العهد الجديد «للمسيَّا»). يرتبط لقب «إبن داود» بدورَي المسيح والملك. أمّا اللقب «إبن إبراهيم» فيُقدِّم الرَّب يسوع على أنّه الشخص الذي يحقِّق المواعيد التي أُعطيت للجدّ الأعلى للشعب العبراني.
تُقسَّم سلسلة نسب المسيح إلى ثلاثة أقسام تاريخيّة وهي: من إبراهيم إلى يسّى، ومن داود إلى يوشيّا، ومن يَكُنْيا إلى يوسف. القسم الأول يُمهِّد لداود، والقسم الثاني يُغطِّي فترة المملكة من فترة إزدهارها إلى سقوطها، والثالث يحفظ سجلّ النسب الملوكي أثناء الفترة المظلمة بعد نفي يهوذا إلى بابل (٦٨٥ ق.م).
هناك خصائص كثيرة هامّة في هذا السجل. مثلاً، في هذه الفقرة بالذات ورد ذكر أربع نساء: ثامار (عدد٣) وراحاب (عدد٥) وراعوث (عدد٥) وبَتْشِيبع (التي كانت زوجة لأورِيّا) (عدد٦). ولمّا كانت النساء نادرًا ما يُذكرن في قوائم تسلسل الأنساب في البلاد الشرقية، فإنّ تضمين أولئك النساء هنا يُعتبر أمرًا مدهشًا جدًّا. فإثنتان منهنّ خاطئتان وهما ثامار وراحاب، وواحدة إرتكبت خطيّة الزنا وهي بَتْشِيبع، وإثنتان أمميّتان وهما راحاب وراعوث. ربّما يكون تضمينهنّ في مقدّمة إنجيل متَّى إيحاءً بارعًا بأنّ مجيء المسيح سيجلب الخلاص للخطأة والنعمة للأمم، ففي المسيح تنهدم حواجز الإختلافات العرقيّة والجنسيّة.
وممّا يَلفت الإنتباه ذكر ملك إسمه يَكُنْيا (عدد١١-١٢). ففي إرميا ٣٠:٢٢ نجد أن ﷲ قد لعن ذلك الرجل قائلاً: «هكذا قال الرَّب، أُكتبوا، هذا الرجل يكون عقيمًا، رجلاً لا ينجح في أيامه، لأنّه لا ينجح من نسله أحد ليجلس على كرسي داود ويحكم بعد في يهوذا». فلو كان يسوع هو الإبن الحقيقي ليوسف، لكان وقع تحت هذه اللَّعنة. ومع ذلك، كان يجب أن يكون الإبن الشرعي ليوسف، لكي يرث الحقّ في عرش داود. وقد سـوِّيت المشكلة بمعجزة الولادة من عذراء؛ فكان يسوع هو الوارث الشرعي للعرش عن طريق يوسف، كما كان هو الإبن الحقيقي لداود عن طريق مريم. فاللّعنة التي وقعت على يكنيا لم تقع على مريم ولا على مَن وَلَدت، لأنها لم تكن من سلالة يكنيا.
لنلاحظ أمراً مثيراً للإهتمام في العدد ١٦، فنقرأ: «وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يُوسُفَ رَجُلَ مَرْيَمَ الَّتِي وُلِدَ مِنْهَا يَسُوعُ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ». إن العبارة «التي ولد منها» في اللغة الأصلية تتوافق مع الترجمة العربيّة في إشارتها إلى مريم التي وُلد منها المسيح. فالمسيح ولد من مريم وليس من يوسف.  
لكن علاوة على هذه الخصائص الهامة التي تحويها سلسلة النسب هذه، وجبَ الإشارة إلى الصعوبات التي تخلّفها أيضًا.
1) يُولي متّى إنتباهًا خاصًا لحقيقة وجود ثلاثة أقسام يكوِّن كل منها أربعة عشر جيلاً (عدد١٧). ومع ذلك، نعرف من العهد القديم أنّ أسماء معيّنة مفقودة من القائمة. فعلى سبيل المثال، بين يورام وعزيّا حكم أخزيا ويوآش وأمصيَّا ملوكًا (عدد8). إنّ هذا الحذف ليس بالأمر غير المألوف في سُلالات النسب الكتابية، فهي لا تُقدِّم دائماً سلالة كاملة.
٢) يبدو أنّ سلسلتي النسب في إنجيل متّى وإنجيل لوقا تتداخلان عند ذكر اسمَي شَأَلتيئيل وَزُرْبَّابل (قارن متَّى١٣،١٢:١ ولوقا٢٧:٣). ويبدو من المستغرب أنّ نسب يوسف ونسب مريم يتداخلان مع هذين الرجلين، ليعودا فينفصلا مرّة أخرى. وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما نلاحظ أنّ كِلا الإنجيلين يضعان زربّابل في القائمة على أنّه إبن شألتيئيل، فيما في ١أخبار الأيام١٩:٣ نجده مذكورًا كأحد أولاد فدايا.
٣) توجد صعوبة ثالثة وهي أنّ متّى يحسب ٢٧ جيلاً من داود إلى المسيح، فيما يحسب لوقا ٤٢ جيلاً. فحتَّى لو كان البشيران لا يرسمان شجرة العائلة نفسها، فوجود فروقات كبيرة في عدد الأجيال ما يزال يبدو أمرًا غريبًا.
فما هو الموقف الذي يجب على دارس الكتاب إتخاذه تجاه هذه الصعوبات والفروقات الظاهريّة؟ أوَّلاً، إنّ الأساس المبدئي الذي ننطلق منه هو أنّ الكتاب المقدّس هو كلمة ﷲ الموحى بها، لذلك، لا يمكن أن يكون فيه أخطاء. ثانيًا، ولأنه كلمة ﷲ فهو لا مُتناهٍ. ولا يمكننا أبدًا أن نتوقع أننا سنفهم كل ما يوجد فيها بالرغم من أن الحقائق الأساسيّة واضحة. لذلك فالطريقة التي نعالج بها هذه الصعوبات تقودنا إلى الإقرار بأنّ المشكلة تكمن في عدم معرفتنا الكاملة وليس في عدم عصمة الكتاب المقدّس. لذلك يجب أن تكون المشكلات التي نواجهها في الكتاب المقدس حافزًا لنا على المزيد من الدراسة والبحث عن الأجوبة، لأنّ «مجد ﷲ إخفاء الأمر ومجد الملوك فحص الأمر» (أمثال٢:٢٥).
إنّ التجربة السابقة يجب أن تنبه الناس ضدّ التأكيدات الواثقة التي تقول بأن الكتاب المقدس يحتوي على أخطاء. ثمّ إنّ أبحاث المؤرخين وتنقيبات علماء الآثار كلّها لم تستطع أن تُبيّن عدم صحّة أقوال الكتاب المقدّس. فهناك تفسيرات معقولة لكلّ ما يبدو لنا أنّه صعوبات وتناقضات، وهذه التفسيرات مفعمة بالفائدة والمغزى الروحي. ينبغي أن نبحث عن المعنى كما نبحث عن الفضة، وننقِّب عنها كالتنقيب عن الكنوز المخفية (أمثال٤:٢).
الولادة العجيبة (١٨:١-٢٥)
لقد كانت ولادة يسوع المسيح مختلفة عن الولادات المذكورة في سلسلة النسب. فهناك نجد الصيغة المتكرّرة «فلان ولد فلانًا». ولكننا الآن أمام سجِلّ ميلاد بغير أب بشري.
إنّ الحقائق التي تحيط بهذا الحَبَل المعجزي مذكورة بكلّ جلال وبساطة. فقد كانت مريم موعودة بالزواج من يوسف، لكنّ الزفاف لم يكن قد تمّ بعد. كانت الخطبة، في زمن العهد الجديد، بمثابة إرتباط، لكنّها كانت أكثر إلزامًا للطرفين مما هو في أيّامنا هذه، فلا يمكن فكّها إلاّ عن طريق الطلاق. حيث كان الرجل المخطوب لإمرأة يعتبر زوجها قانونيًّا (تكوين٢١:٢٩؛ تثنية٢٣:٢٢). ومع أنّه لم يكن الخطيبان يعيشان معًا حتى إتمام مراسِيم الزواج، فإنّ الخيانة من جانب أيّ من الطرفين كانت تحسب عمليّة زنى وتعاقَب بالموت.
حدث أنّ مريم وُجِدت، أثناء خطبتها، حبلى من الروح القدس. حيث أعلن لها ملاك الرَّب هذا الأمر قائلاً: «الروح القدس يحلّ عليك وقوّة العلي تظلّلك» (لوقا٣٥:١). وقد خيّمت على مريم سحابة الشكوك والفضيحة، ففي كل التاريخ البشري لم توجد ولادة من عذراء. إذ عندما كان الناس يرون إمرأة حبلى وهي غير متزوّجة، لم يكن لديهم سوى تفسير واحد محتمل.
حتى أنّ يوسف أيضًا لم يكن يعرف حقيقة الأمر بالنسبة لوضع مريم. وربّما كان غاضبًا على خطيبته لسببين: أوَّلاً، لخيانتها له، بحسب الظاهر. وثانيًا، لأنْ لا مفرّ من إتهامه بكونه والد الطفل. لكنّ محبته ورحمته تغلَّبتا على أي شعور بالمرارة أو الإنتقام لذلك كان راغبًا في أن يجنّبها العار العلني الذي يصاحب عادة موقفًا كهذا، فعزم على أن يطلقها سرًّا.
وبينما كان يوسف، ذلك الرجل النبيل المتروّي، يخطِّط لكي يحمي مريم، إذا ملاك الرَّب قد ظهر له في حلم. وكأن القصد من تحيّته له بالقول، «يا يوسف إبن داود»، كان لتذكيره بأصله الملوكي، ولكي يعدّہ لذلك المجيء الفريد للمسيح الملك الموعود. فلا داعي لأن تساوره شكوك تمنع زواجه بمريم. فكلّ إشتباه من جهة طهارتها لم يكن له أساس، وحبلها كان معجزة من عمل الروح القدس.
عندئذ أعلن الملاك جنس الطفل الذي سيولد، واسمه ومهمّته، ذلك أنّ مريم كانت ستلد إبنًا، وتدعو إسمه يسوع الذي يعني «يهوه (الرَّبّ) هو الخلاص» أو «يهوه (الرَّبّ) المخلِّص». فهو سيخلّص شعبه من خطاياهم تمامًا كما يُعلن إسمه. لقد كان هذا الطفل الذي جاء في ملء الزمان هو يهوه (الرَّب) نفسه، وقد جاء لزيارة الأرض لكي يخلِّص الشعب من عقاب الخطيّة، ثمَّ من سلطتها، وأخيرًا من وجودها بالذات.
وبينما كان متَّى يسجّل هذه الأحداث، تحقّق من أنّ تقويمًا جديدًا قد طلع فجره في تاريخ معاملات ﷲ مع الجنس البشري. فقد دبّت الحياة الآن في كلمات النبوءة الخاصة بالمسيح والتي كانت ساكنة لزمن طويل. وانجلى الآن في طفل مريم لغز نبوءة إشعياء التي تّمت به (عدد٢٢-٢٣). وهنا يعترف متّى بالوحي الإلهي لكلمات النبي إشعياء التي تكلّم بها الرَّب على لسان النبي، وبالتالي كلامه كان حقًّا من ﷲ.
أما خلفية نبوءة إشعياء فكانت على النحو التالي: لقد شعر الملك آحاز بالرعب من أن يتم تدمير مملكة يهوذا من قبل سوريا وإسرائيل، وبذلك يتم محو سلالة داود الملكية. لكن ﷲ أكد له (بواسطة إشعياء) بأن هذا لن يحدث، وأعطى آحاز علامة: إنّ ميلاد المسيح من عذراء هو ضمانته بأنّ بيت داود لن يهلك أبداً. من المحتمل أنه كان للنبوءة بعض المعنى المباشر لآحاز (في ما يختص بخطر الغزو الوشيك)، ولكن التتميم الكامل وُجد في ميلاد الرَّب يسوع.
تنبّأ إشعياء بهذه النبوءة المفصَّلة قبل سبعمائة سنة على الأقل من ولادة المسيح. ويضيف متَّى تعليقاً توضيحيًّا بأن معنى كلمة عمانوئيل هو «ﷲ معنا». أمّا هذا الطفل الذي لا مثيل لهُ والذي وُلِدَ من أُم بشرية إنما هو مسكن ﷲ الأبدي مع الجنس البشري. هذا ولا يوجد أي دليل يشير إلى أنّ الرَّب يسوع دُعي عمّانوئيل أثناء وجوده على الأرض، فلقد كان دائمًا يُدعى يسوع. ومع ذلك فإنّ معنى إسم يسوع يُفهم منه ضمنيًّا حضور ﷲ معنا فهو يعني «الرَّب المخلِّص». ويمكن أن يكون «عمّانوئيل» الإسم الذي سيُستخدَم بشكل رئيسي للمسيح في مجيئه الثاني.
وكنتيجة لتدخّل الملاك، رجع يوسف عن خطّته لطلاق مريم. واستمرّ في خطبته لها حتى ولدت يسوع، وبعد ذلك تزوّجا. يُبطل هذا العدد التعليم الذي يقول ببتولية مريم الدائمة إذ ينفي تعليمًا كهذا تحقيقُ زواجهما المذكور في هذا العدد. وتوجد شواهد أخرى تشير إلى أنّ مريم رُزقت أولادًا من يوسف وهي: (متَّى٢٦:١٢؛ ٥٥:١٣؛ مرقس٣:٦؛ يوحنا٣:٧و٥؛ أعمال١٤:١؛ ١كورنثوس٥:٩؛ غلاطية١٩:١).
لقد إتخذ يوسف طفل مريم إبناً له بالتبني عندما إتخذها زوجة له. وكما ذكر سابقاً، بهذه الطريقة أصبح يسوع وارثًا شرعيًّا لعرش داود. ولقد دعا إسم الطفل يسوع، طاعةً لما قاله الملاك. هكذا ولد المسيح الملك، ودخل الشخص الأزلي حيّز التاريخ، وصار الكلّي القدرة طفلاً صغيرًا. فقد حجب ربّ المجد ذلك المجد في جسم بشريّ، و«فيه يحلّ كل ملء اللاهوت جسديًّا» (كولوسي٩:٢).
الملك الذي خاف من طفل (١:٢-١٢)
نقرأ في العدد الأول من الأصحاح 2 ما يلي: «وَلَمَّا وُلِدَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ، فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ الْمَلِكِ، إِذَا مَجُوسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ قَدْ جَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ». مما يساعدنا على إستخلاص أن ولادة المسيح سبقت زيارة المجوس بوقتٍ لم يتم تحديد مدّته.
لقد كان هيرودس الكبير من سلالة عيسو، ولذلك كان عدوًا تقليديًّا لليهود. وكان قد إعتنق اليهودية، لكن ربّما فعل ذلك بدافع شَكْليّ ليس إلاّ. بعد وفاة يوليوس قيصر، تمت ترقيته من كونه حاكماً ليصبح ملك يهوذا سنة 40 ق.م.  
وحدث في أواخر حكمه أنّ مجوسًا جاءوا من المشرق يبحثون عن ملك اليهود، وربما كان هؤلاء من كهنة الوثنيّين الذين كانت شعائرهم تَتَركَّز حول عناصر الطبيعة. ولأنّهم كانوا ذوي معرفة وقدرة على التنبؤ، فقد كانوا غالبًا ما يُنتخبون مستشارين للملوك. هذا ولسنا نعلم أين كانوا يعيشون في المشرق، ولا كم كان عددهم، أو كم من الوقت إستغرقت رحلتهم.
لقد أعلمهم نجم المشرق، بطريقة ما، بميلاد الملك الذي جاءوا ليسجدوا له. وربما كانوا مطّلعين على نبوءات العهد القديم التي تتعلّق بمجيء المسيح. ولربّما عرفوا نبوءة بلعام الذي قال إنّه «يبرز كوكب من يعقوب» (عدد١٧:٢٤)، وربطوا هذه نبوءة الأسابيع السبعين التي أنبأت بزمن المجيء الأوّل للمسيح (دانيال٢٤:٩و٢٥). ولكن يبدو من المحتمل أن تكون هذه المعلومات قد وصلتهم بطريقة خارقة للطبيعة.
ولقد اقتُرحت تفسيرات علمية متنوّعة لتفسير ظهور النجم. فعلى سبيل المثال يقول قوم بأنّه نتج عن اقتران مجموعة من الأجرام السماوّية. لكنّ مسار ذلك النجم كان أمرًا خارقًا للطبيعة، فلقد سار أمام المجوس هاديًا إيّاهم من أورشليم إلى البيت حيث كان يسوع مقيمًا (عدد9)، ثمّ توقّف بعد ذلك. وكان هذا في الواقع أمرًا غير اعتيادي لا يمكن وصفه إلَّا بالمعجزة.
فلما سمع هيرودس الملك أنّ طفلاً قد وُلد وأنّه هو ملك اليهود، اضطرب. لأنَّ طفلاً كهذا يُعتبر تهديدًا لحكمة غير المستقرّ، وقد اضطربت كل أورشليم معه. فالمدينة التي كان يجب أن تستقبل الخبر بفرح، كانت تنزعج من أي شيء يمكن أن يزعزع الوضع القائم فيها، أو يثير إستياء الحكام الرومان المكروهين.
فجمع هيرودس قادة اليهود ليعرف مكان ولادة المسيح. وكان رؤساء الكهنة يتألّفون من رئيس الكهنة وأبنائه (وربما آخرون أيضًا من أفراد عائلته). أمّا كتبه الشعب فكانوا من العامّة وهم خبراء في شريعة موسى. فقد حفظوا الشريعة وعلّموها وخدموا كقضاة في المجمع اليهودي. إقتبس هؤلاء الكهنة والكتبة مباشرة من ميخا ٢:٥، الذي إعتبر بيت لحم اليهودية مكان ولادة الملك. ويدعو نص النبوءة في ميخا المدينة بيت لحم «أفراتة». ولمّا كانت توجد أكثر من مدينة في فلسطين تسمّى بيت لحم، فإنّ تسميتها هذه تعرّفها على أنّها المدينة التي في مقاطعة أفراتة التي تقع داخل حدود سبط يهوذا. وبالرغم من كونها إحدى أصغر قُرى يهوذا، إلا أن هذا لا يعني أنها الأقل أهمية، فمنها سيخرج ملك إسرائيل.
ودعا الملك هيرودس المجوس سرًّا، ليتحقّق منهم زمان ظهور النجم. كشفت هذه السريّة عن دافع القسوة الذي كان يحرَّكه، فهو يحتاج إلى هذه المعلومة لكي يتمكن من تحديد المكان الصحيح للطفل المولود. ولكي يغطي على قصده الحقيقي، أرسل المجوس في طريقهم للبحث عن الطفل وطلب منهم أن يخبروه إذا نجحوا في ذلك لكي يذهب ويعبده. ولما انطلق المجوس، إذا النجم الذي رأوه في المشرق يظهر لهم ثانية. يشير هذا إلى أنّ النجم لم يكن قد أرشدهم الطريق كلّه من المشرق، ولكنّه الآن يرشدهم بالفعل إلى المنزل الذي كان فيه يسوع.
نجد هنا تنويهًا بالفرح العظيم الذي فرحه المجوس عندما رأوا النجم (عدد١٠). لقد كان هؤلاء الأمميّون يطلبون المسيح باجتهاد، فيما كان هيرودس يخطّط لقتله، والكهنة والكتبة غير مبالين، والشعب في أورشليم مضطرب. كانت هذه المواقف دلائل تشير إلى الطريقة التي يُتوقّع أن يُلاقى بها المسيح.
ولمّا دخل المجوس البيت رأوا الصبي مع مريم أمّه (لاحظ أنه لم يتم العثور عليهم في الإسطبل، مما يشير إلى إنقضاء فترة من الزمن)، فخرّوا وسجدوا له، مقدّمين هدايا ثمينة، ذهبًا ولُبانًا ومرًّا. لاحظ أنّهم رأوا يسوع مع أمّه، وفي العادة تُذكر الأمّ أوَّلاً ثم بعد ذلك طفلها. ولكنّ هذا الطفل كان فريدًا في نوعه، ويجب أن يُعطى المكان الأّول (أنظر الأعداد١٣-١٤؛ ٢٠-٢١). لذلك سجد المجوس ليسوع، وليس لمريم أو ليوسف. (حتّى إنّ ذكر يوسف لم يرد في هذه الرواية، وسريعًا سيختفي إختفاءاً تامّاً من سجلّ الإنجيل). إنّ الرَّبّ يسوع وحده هو الذي يستحقّ تسبيحنا وعبادتنا.
هذا وإنّ الكنوز التي قدّموها زاخرة بالمعاني: فالذهب يرمز إلى الألوهيّة والمجد. وهو يشير إلى الكمال المشرق لشخصه الإلهي. واللُّبان دهن أو عطر، وهو يوحي بالعبير الذي يفيح من حياة الطهر والكمال. والمرّ هو عشبة مرّة، وهو يُنذر بالآلام التي سوف يتحمّلها المسيح في حمله لخطايا العالم.
ويذكّر إحضار الأمم للهدايا بالكلام المذكور في إشعياء٦:٦٠. فلقد تنبأ إشعياء بأنّ الأمم سيأتون إلى المسيح بهدايا، ولكنّه ذكر ذهبًا ولُبانًا فقط. لماذا حذف المُرّ؟ لأنّ إشعياء كان يتكلّم عن مجيء المسيح ثانيةً، مجيئه في قوّة ومجد عظيمين. لن يكون مُرّ حينذاك، لأنّه لن يتألم بعد في ذلك الوقت. ولكن يرد ذكر المرّ في متّى لأجل منظور مجيئه الأول. وهنا في متَّى، نجد آلام المسيح؛ أمّا في إشعياء ٦٠، فنجد الأمجاد التي بعدها.
لقد أُوحي إلى المجوس في حلم تحذيري من ﷲ، ألاّ يرجعوا إلى هيرودس، وهكذا أطاعوا فعادوا إلى كورتهم في طريق آخر. فما من أحد تقابل مع المسيح بقلب صادق ورجع في نفس الطريق التي أتى منها، لأنّ المواجهة الصادقة مع المسيح تغيّر الحياة بجملتها.
الهروب إلى مصر (١٣:٢-١٥)
كان خطر الموت يحدق بالرَّب يسوع منذ الطفولة. ومن الواضح أنّه ولد لكي يموت، لكنه سيموت في الوقت المعيّن فقط. إنّ كل من يسلك بحسب مشيئة ﷲ لا يمكن أن يموت قبل إتمام عمله.
وإذا ملاك الرَّب قد ظهر ليوسف محذّرًا إيّاه في حلم ليهرب إلى مصر مع عائلته. فلقد كان هيرودس مزمعًا أن يبدأ عمليّة «بحث وإهلاك». وأصبح أفراد الأسرة المتواضعة سائرين بهذه الرحلة المتعبة والطويلة إلى مصر لاجئين هربًا من غضب هيرودس. ولا نعرف كم من الوقت مكثوا هناك، ولكن بموت هيرودس أصبح الطريق سالكًا لرجوعهم إلى الوطن.
وهكذا أُضفي معنّى جديد على نبوءة أخرى من العهد القديم (عدد15). فقد قال ﷲ بفم هوشع النبي: «… من مصر دعوت إبني» (هوشع١:١١). يشير هذا القول في الأصل إلى إنقاذ الشعب من مصر في زمن الخروج. ولكنّ النص قابل لمعنى مزدوج، فتاريخ المسيح قد يتوازى مع تاريخ الأمّة إلى حدّ بعيد. لذلك فإنّ هذه النبوءَة تحقّقت في حياة المسيح برجوعه من مصر إلى فلسطين.
مجزرة في بيت لحم (١٦:٢-١٨)
عندما فشل المجوس في العودة إلى أورشليم، أدرك هيرودس من أنّه قد انخدع في محاولته لتحديد مكان ملك اليهود الصغير. وإذْ هاج غضبه بشدّة، أمر بقتل جميع الصبيان في بيت لحم وكلّ ضواحيها، من إبن سنتين فما دون. أمّا عدد الأطفال الذين ذُبحوا فقد إختلف تقديره، فواحد من الذين كتبوا في هذا الأمر إقترح أنّ عددهم كان حوالي 26 ومن المستبعد أن يكون العدد بالمئات نظراً للحجم السكاني لتلك المنطقة. وضع هيرودس الحد الأدنى للعمر وهو عامين وما دون وفقاً للوقت الذي ظهر فيه النجم لأول مرة للمجوس. مما يعطينا فكرة عن عمر يسوع الطفل التقريبي في هذا الوقت.
كان البكاء الذي أعقب قتل الأطفال تحقيقاً لكلمات إرميا النبي في إرميا15:31 حيث تمثّل راحيل في هذه النبوءة أُمَّة إسرائيل. فإنّ حزن الأمّة نُسب إلى راحيل التي دُفنت في الرامة قرب بيت لحم، حيث حدثت مجزرة ذبح الأطفال. ولمّا مَرّ الآباء المفجوعون بقبرها، كانت وكأنّها تبكي معهم في هذه اللغة الشعرية.  
أمّا هيرودس فلم يَجنِ شيئًا من وراء محاولته للقضاء على غريمه الصغير، إلاّ ذِكرًا مخزيًا في سجلاّت تاريخ العار.
الناصري في الناصرة (١٩:٢-٢٣)
بعد وفاة هيرودس أكّد ملاك الرَّب ليوسف أنّ الوضع أصبح آمنًا للرجوع. وعند وصوله إلى أرض إسرائيل، سمع يوسف أنّ أرخيلاوس، إبن هيرودس، يملك على اليهودية بعد أبيه. وكان يوسف غير راغب في المغامرة وفي الدخول إلى هذه المنطقة. ولمّا تأكَّدت له مخاوفه في حلم من ﷲ، سافر شمالاً إلى الجليل وسكن في الناصرة.
يذكِّرنا متّى، للمرّة الرابعة في هذا الأصحاح، بأنّ ذلك كان لتتحقّق النبوءة. وهو لا يذكر نبيًّا معيّنًا بالإسم، لكنّه يقول إنّ الأنبياء كانوا قد تنبأوا بأنّ المسيَّا سيُدعى ناصريًّا. لا يوجد قول في العهد القديم يصرّح بهذا مباشرة. والتفسير الأكثر إحتمالاً، هو أنّ كلمة «ناصريًّا» تستخدم لوصف من يعيش في الناصرة، تلك المدينة التي يُنظر إليها بالإحتقار والإزدراء عند باقي الشعب. ولقد عبّر نثنائيل عن هذا بالقول المضروب به المثل: «أمن الناصرة يمكن أن يكون شيء صالح؟» (يوحنا٤٦:١). فلصق هذا الإزدراء الذي حلّ بالمدينة بأهلها جميعهم. لذلك عندما يقول العدد23 إنّه سيٌدعى ناصريًّا، فهذا يعني أنّه سيعامل بالإزدراء والإحتقار. ومع أنّنا لا نستطيع أن نجد أيّة نبوءة تقول إنّ يسوع سيدعى ناصريًّا، إلاّ أنّه يمكن أن نجد نبوءة تقول إنّه «محتقر ومخذول من الناس» (إشعياء٣:٥٣). وتقول نبوءة أخرى: «أمّا أنا فدودة لا إنسان. عار عند البشر ومحتقر الشعب» (مزمور٦:٢٢). ومّما يدعو للدهشة أنّ ﷲ القدير أُعطي لقب العار، عندما جاء إلى الأرض. أمّا الذين تبعوه، فحصلوا على إمتياز حمل عارهُ (عبرانيين١٣:١٣).