دورة: المعمودية وعشاء الرب

الدرس: الفصل الأول - الفرائض المسيحية

>


الفرائض المسيحية

لقد ترك الرَّب يسوع المسيح أمراً واضحاً لكنيسته بحفظ وصيَّتين أساسيتين هما: عشاء الرَّب والمعمودية. في حفظنا لعشاء الرَّب «نُخبر بموت الرَّب إلى أن يجيء» (١كورنثوس٢٦:١١)، أما في الوصية الثانية أي المعمودية «فدُفنَّا معه بالمعمودية للموت… حتى نسلك أيضاً في جدة الحياة» (رومية٦:٤).
وهنا نكتشف أنّ الأُسُس العظيمة لإنجيل المسيحية تَظهَر في هاتين الفريضتين، ذلك لأننا بكل مشاركة فيها نوفِّر تذكيراً مستمراً لمسؤولية الكنيسة في الكرازة بإنجيل المسيح (١كورنثوس٣:١٥و٤). في المعمودية نرى إتِّحاد المؤمنين مع المسيح، والتشبُّه به في موته ودفنه وقيامته، وهذا يتمُّ مرة واحدة في حياة المؤمن. على العكس من ذلك، فإنّ عشاء الرَّب يُحتَفَل به مِراراً لأنه يشدّد على شركة المسيح مع شعبه. في الواقع فإن هذه الفريضة، تكرَّر تسميتها وبحق بِ «الشركة» ١كورنثوس١٦:١٠.
ثُمَّ لاحظ معنى الكلمتين إتِّحاد وشركة. فالإتِّحاد القائم بين المؤمن والرّب قد تأسَّس بصفة ثابتة ولا يحتاج إلى تعضيد أو مساعدة من جانب المؤمن، أما الشركة فتختلف كثيراً. إنها تتعرّض دائماً لخطر الإنقطاع، لهذا فهنالك حاجة دائمة لتجديدها. لذا فإنّ صفة المعمودية هي أنها تتم مرة واحدة فقط، بينما عشاء الرَّب يُمارَس بإستمرار كما هو مكتوب «فكانوا يواظبون… على كسر الخبز» (أعمال٤٢:٢).
لقد اقترح البعض وصية ثالثة، وهم يمارسونها اليوم في واقع الأمر. والتي نعني بها «غسل الأرجل». لقد أُشير أنه في نفس الليلة التي رسم بها الرّب العشاء، كان قد غسَل أرجل تلاميذه أولاً، وأعلن في تلك المناسبة أنه كذلك علينا غَسل بعضنا أرجل بعض يوحنا١٤:١٣. فاعتبر البعض أنّ هذه فريضة وقيل أنّ ممارستها مساوية وملزمة لأتباع المسيح كما قال «إصنعوا هذا لذكري».
وللإجابة على ذلك، فإنه من الواضح أن الرسل لم يُنسِبوا هذا المعنى إلى كلمات الرَّب، حتى أنهم عندما مارسوا المعمودية والشركة في الكنائس التي أنشأوها لم يقوموا بغسل الأرجل ولا مرة واحدة، ولا يوجد أي ذِكر لهذا الطقس على أنّه قد مورِسَ من قِبل المسيحيين في الكنيسة الأولى. شاهِد واحد فقط عن غسل الأرجل قد ورَدَ في ١تيموثاوس١٠:٥. من الواضح من هذا العدد أنه يمثِّل واحداً من المؤهلات للأرملة الكبيرة في السن كي تستلم الدعم من الكنيسة، وهذا يعني أنها تكون قد قامت بهذا العمل في الخفاء بمنزلها عند قدوم أي من المؤمنين للزيارة وهم مُغبرّو الأرجل. هذا لا يعني أنه يجب ممارسته علناً في الكنيسة بشكل عام. فالدليل إذاً، ينفي لزوم ممارسة غسل الأرجل كوصية ثالثة.  
يُعلن الكتاب أن خيطاً مثلوثاً لا ينقطع سريعاً الجامعة٤:١٢. فإنّ لدينا خيطاً مثلوثاً من البراهين لسلطتنا في ممارسة إحتفال الذكرى هذا.
إنّ عشاء الرَّب هو للذكرى وقد طلبه الرَّب في الليلة التي أُسلِم بها. فإنّنا نجد في إنجيل لوقا كيف ظهر ناسوت الرَّب يسوع. لهذا علينا أن نضع نصب أعيننا رغبته بأن نتذكره.
إنّ هذا الطلب قد أُعيدَ تكراره لبولس الرسول من السماء، هذا الذي اضطهد الكنيسة مرة، قد أخذ تعليمات من الرّب الصاعد إلى السماء تتعلّق بالإحتفال ١كورنثوس٢٣:١١. لم يتعلّمه بولس من الذين كانوا قبله تلاميذاً للمسيح، لكنه إستلم رؤيا جديدة.
لقد أضيفت لهذه الرؤيا الممارسة الفعلية للفرائض بواسطة الإجتماع المحلِّي للكنيسة منذ البداية.
إنّ حفظ هذه الفرائض يجب أن يستمر إلى يوم مجيء المسيح الثاني ١كورنثوس٢٦:١١، وهذا الوصية قد تَمَّت ممارستها منذ البداية مع أن الأسلوب لم يكن نفسه.
إنّ الفصول الكتابية التالية تتعامل مع هذا الموضوع، وهي: متى٢٦:٢٦-٢٨؛ مرقس٢٢:١٤-٢٤؛ أعمال الرسل٤٢:٢. علينا أن نلاحظ بأن فكرة القيام بالفرائض فقط بواسطة كاهن أو قسيس مرسوم هي فكرة غريبة عن كلمة ﷲ ومرفوضة تماماً، ذلك لأن العهد الجديد يُعلِّمُنا أن رئيس الكهنة هو ربّنا يسوع المسيح في السماء، والكهنوت إمتياز عام لجميع المؤمنين كما جاء في ١بطرس٩:٢؛ رؤيا٦:١؛ ١٠:٥؛  ٦:٢٠ وهي تؤكِّد هذا الأمر. من أجل هذا فإنّ ممارسة القيام بعشاء الرَّب هو حقٌّ عام لكل المؤمنين الذين يشاركون به بالتساوي ككهنة.
المعموديات قبل عصر الكنيسة
مقدّمة
عند البدء في دراستنا الموجزة لموضوع المعمودية في العهد الجديد يتبين لنا أن كلمة المعمودية قد استخدمت لتصِف مجموعة متنوعة من الأعمال أو الإختبارات. إنّ الغرض من هذه الدراسة هو تسليط الضوء على هذه الأنواع المختلفة من المعموديات، والسَّعي إلى تحديد معنى كل واحدة منها حيث أن لكل منها أهميتها الخاصة.
دعونا نلخِّص الأنواع المختلفة من المعموديات التي جاء ذكرها في العهد الجديد وهي كما يلي:
١. معمودية يوحنا المعمدان.
٢. معمودية يسوع على يد يوحنا المعمدان.
٣. المعمودية التي قام بها تلاميذ يسوع.
٤. معمودية آلام المسيح والموت على الجلجثة.
٥. المعمودية المسيحية:
    أ. المعمودية الروحية لموت المسيح والتي تتم عند لحظة التجديد.
    ب. المعمودية الحرفية في الماء والتي تصوِّر سابقتها.
٦. معمودية الروح القدس.
٧. معمودية النار.
٨. معموديتان في العهد القديم قد ورد ذِكرهما في العهد الجديد.
    أ. المعمودية لموسى.
    ب. المعمودية اليهودية (إغتسال طقسي).
لقد أغفلنا عمداً دراسة مفصَّلة لمعنى كلمة المعمودية، لأن هناك مجلدات كثيرة كُتِبَت في هذا الصدد وقد أعطَت تفسيرات معيَّنة للكلمة كما هي في اللغة اليونانية الأصلية، ولكن على ما يبدو لم يتوصل علماء اللغة اليونانية أنفسهم إلى معنى واحد دقيق للكلمة. ولكن الأكثر أهمية من شكليات اللغة اليونانية هو أن نعرف التعاليم الروحية للمعمودية وأن نعيش حياة المعمودية.
معمودية يوحنا المعمدان
إنّ أول ذِكر لموضوع المعمودية في العهد الجديد كان له علاقة بممارسة قام بها يوحنا المعمدان. عند النظر في معمودية يوحنا المعمدان يجدر بنا الإشارة إلى النقاط التالية:
النقطة الأولى: نقرأ في متى٢٤:٢١و٢٥، أنّ الرّب يسوع قد شدّد ضمناً أنها «من السماء»، وهذا يعني أن يوحنا المعمدان قد مارسها بسلطة إلهية، وبهذا يكون الرَّب يسوع قد صادق على خدمة وإخلاص يوحنا المعمدان.
النقطة الثانية: معمودية يوحنا المعمدان كانت تخص الأمة الإسرائيلية في المقام الأول، ويوحنا المعمدان نفسه أعلنها صراحة، «وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ. لكِنْ لِيُظْهَرَ لإِسْرَائِيلَ لِذلِكَ جِئْتُ أُعَمِّدُ بِالْمَاءِ» (يوحنا٣١:١). لقد حدَّد مرقس الأشخاص الذين تعمَّدوا من يوحنا «جَمِيعُ كُورَةِ الْيَهُودِيَّةِ وَأَهْلُ أُورُشَلِيمَ» (مرقس٥:١). أخيراً، فإن الرسول بولس، عندما تحدث في أنطاكية، قد أعلن أنّه قبل مجيء المسيح، بشّر يوحنا بمعمودية التوبة «لِجَمِيعِ شَعْبِ إِسْرَائِيلَ» (أعمال٢٤:١٣)، ومن أجل فهم معنى معمودية يوحنا، سيكون من الضروري فهم أهمية خدمته كسابق للمسيح.
إن شعب إسرائيل آنذاك كان بدون ملك خاص به لمدة تقرب من ٤٧٠ سنة، وعلى الرغم من أن بقية صغيرة من الشعب كانت تبحث عن المسيح، كان غالبية الشعب غير مبالين بالرَّب وبمطالب ناموسه. كان اهتمامهم في ذلك الوقت ليس التحرّر من عبودية الخطيئة، وإنما الخلاص من حكم الإمبراطورية الرومانية التي خضع لها الشعب منذ عام ٦٣ قبل الميلاد.
كان الرَّب يسوع المسيح على وشك أن يبدأ خدمته العلنية وأن يقدِّم نفسه على أنّه ملك اليهود. ومع ذلك لم يكن من الممكن أن يحكم على هذا الشعب بينما كان لا يزال الشعب في حالته الخاطئة. لذلك، تم إرسال يوحنا المعمدان قبل المسيح ليُعِدَّ طريق الرَّب، بدعوة اليهود إلى التوبة. وهذا ما يفسِّر لماذا جاءِ لِ «يَكْرِزُ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا» (لوقا٣:٣). ودعا الناس إلى التوبة كي يحصلوا على مغفرة الخطايا، ومن ثم يُعلِنوا توبتهم على الملأ من خلال معموديتهم.
لكن رسالة يوحنا المعمدان لا تتوقف عند هذا الحد، فهو وبكل بساطة لم يكن مهتماً في جذب مجموعة من التلاميذ المعتمدين. بل دعا سامعيه قائلاً: «إصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ» (متى٨:٣؛ لوقا٨:٣). فقد أعطى تعليمات لجُباة الضرائب الذين أتوا إلى معموديته «لاَ تَسْتَوْفُوا أَكْثَرَ مِمَّا فُرِضَ لَكُمْ». أي لا تفرضوا ضرائب أكثر مما يستوجبه القانون. أما الجنود الذين إعتمدوا من يوحنا قال لهم أن لا يمارسوا العنف ضدّ أي إنسان، وأن لا يتَّهموا أي إنسان كذباً، وأن يكتفوا برواتبهم لوقا ١٢:٣-١٤. لذلك فمعمودية يوحنا المعمدان دعَت للتغيير في حياة الفرد.
بالإضافة إلى ما سبق، فقد حَثَّ أولئك الذين اعتمدوا منه «قَائِلاً لِلشَّعْبِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِالَّذِي يَأْتِي بَعْدَہُ، أَيْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ» (أعمال٤:١٩). وقد وجَّههم «هُوَذَا حَمَلُ ﷲ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ!» (يوحنا٢٩:١-٣٦).
ثمّ يخبرنا لوقا بأن «جَمِيعُ الشَّعْبِ إِذْ سَمِعُوا وَالْعَشَّارُونَ بَرَّرُوا ﷲ مُعْتَمِدِينَ بِمَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا» (لوقا٢٩:٧). هذا يعني ببساطة أن اليهود التائبين الذين اعتمدوا من يوحنا كانوا بذلك قد اعترفوا بأن ﷲ صادق بوصفهم أنهم خُطاة. لقد وقفوا  في صفّ ﷲ ضد أنفسهم.
من ناحية أخرى نقرأ «وَأَمَّا الْفَرِّيسِيُّونَ وَالنَّامُوسِيُّونَ فَرَفَضُوا مَشُورَةَ ﷲ مِنْ جِهَةِ أَنْفُسِهِمْ» (لوقا٣٠:٧). لقد رفضوا الحقيقة بشأن خطاياهم، وبموقفهم هذا لم يصدقوا ﷲ.
هناك بعض النواحي التي كانت بها معمودية يوحنا مشابهة للمعمودية المسيحية،أي معمودية المؤمن:  من الناحية الأولى تشهد عن إختبار داخلي يتبعه شهادة خارجية علنية. ومن الناحية الثانية أنها كانت معمودية بالماء يوحنا٢٦:١؛  ٢٣:٣ وأعمال٥:١؛ ١٦:١١.
ومع ذلك، فمن الأهمية بمكان أن ندرك بأن المعمودية التي كرز بها يوحنا لم تكن نفسها المعمودية المسيحية. يمكننا أن نرى هذا بوضوح في أعمال١٩ حيث تقابل بعض من تلاميذ يوحنا المعمدان مع بولس الذي عندما علِم أنهم لم يقبلوا الروح القدس حين آمنوا، سألهم، بأي معمودية كانوا قد اعتمدوا؟ وعندما أجابوه أنهم اعتمدوا بمعمودية يوحنا فقط، أخبرهم بأن يوحنا علّم الناس أن يؤمنوا بيسوع، فعندما سمعوا هذا، اعتمدوا ثانية، وهذه المرة بإسم الرَّب يسوع. عندها وضع بولس يديه عليهم فقبلوا الروح القدس، وتكلَّموا بألسنة وتنبأوا أعمال ١:١٩-٦.
يبدو من كل ما سبق، أن معمودية يوحنا كانت تحضيرية ومؤقتة على حد سواء، وقد صُمِّمت لإعداد شعب إسرائيل لمجيء المسيح. فأولئك الذين خضعوا لهذه المعمودية اعترفوا بأنهم إسرائيليون تائبون وتلاميذ يوحنا. لقد كانت خدمة مؤقتة بمعنى أنها تنطبق حصراً على الفترة من بداية خدمة يوحنا وحتى يوم الخمسين عندما تم إستبدالها بالمعمودية المسيحية.
معمودية يسوع على يد يوحنا المعمدان
قد يبدو للوهلة الأولى أنّ معمودية يسوع كان ينبغي أن تُدرج تحت العنوان السابق لأنه قد إعتمد على يد يوحنا. إلا أننا عندما نتذكر أن معمودية يوحنا كانت تقود إلى التوبة، وأنّ المُخلِّص لم يقترف خطايا ليتوب عنها، ندرك أن معموديته كانت نوعية خاصة في حد ذاتها، وينبغي التعامل معها وفقاً لذلك.
حَدثَ ذلك عندما كان الرَّب يسوع في سنّ الثلاثين من العُمر، لقد سافر من الجليل إلى نهر الأردن ليعتمد لوقا٢٣:٣؛ متى١٣:٣. ونحن لا نعرف أية مسافة قد قطع، مع أنّ البعض قدَّروا الرحلة بحوالي مائة كيلومتر.
في البداية، احتجّ يوحنا المعمدان عندما رأى يسوع مقبلاً إليه كي يعتمد منه، واقترح أن الأكثر ملاءمة أن يعتمِد هو على يدي الرَّب يسوع. وكان من الواضح أن جواب الرَّب يسوع يحتوي على المعنى الأساسي الحقيقي لمعموديته، وقال: «إسْمَحِ الآنَ، لأَنَّهُ هكَذَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرّ» (متى١٥:٣). إذا فهمنا قصد الرّب من قوله: أن نكمل كلّ برّ، نكون قد فهمنا سبب اعتماده. لقد أُعطيت لهذه المسألة عدة تفسيرات منها:
١. لقد دُعيَ جميع بني إسرائيل الأتقياء كي يعتمدوا. وهو كان إسرائيلياً تقياًّ  فعلى الرغم من كونه لم يحتاج إلى التوبة، لكنه أطاع كلمة ﷲ وتجلّت تقواه بطاعته للوصايا.
٢. لقد رغب في أن يضم نفسه مع البقية الباقية من شعب إسرائيل ووافق ﷲ بشأن الحالة الخاطئة لإسرائيل. «كانت نفسه تتعاطف مع أولئك الذين تواضعوا أمام ﷲ»، وليظهر كُرهه للخطيئة وحزنه لثقلها، أخذ مكانه بالمعمودية مع الإسرائيليين التائبين.
٣. بواسطة اعتمادة، أعطى صورة مسبقة عن كيف يمكن «أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرّ» في صليب الجلجثة. بدخوله مياه الموت، كان الرَّب يسوع يضع أساساً للبرّ الذي من خلاله يمكن أن يبرّر ﷲ خطاة فُجَّار، ويبقى باراً بالرغم من قيامه بذلك. وفقاً لهذا التفسير، كان يسوع يقول «إسمح لهذا أن يتم الآن، لأنه عن قريب وباعتمادي في مياه ظلمة الموت على الصليب، سأوفي كل مطالب ﷲ العادلة ضد الخطيئة وأصبح مخلّص كلّ الذين يؤمنون بي».
٤. بما أن ناموس العهد القديم دعا إلى تكريس الكاهن في الثلاثين من عمره خروج٢٩؛ اللاويين٨، فقد كان المسيح بذلك يتمِّم كلّ برٍّ عن طريق الإمتثال لهذا الناموس. (سواء كان صحيحاً أن معمودية المسيح لها أي علاقة مع تكريسه ككاهن أم لا) فمن الواضح جداً أنها تدل على بدء خدمته العلنية أعمال٢٢:١.
فأي مما سبق هو التفسير الصحيح؟ إننا نقترح أن أي من التفسيرات السابقة لا يوضح كل المعنى، ولكنها جميعها صحيحة إلى حد ما، فإنّه حتى هذه التفسيرات ربما لا تسبر غور  معنى التعبير «أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرّ».
بعد أن اعتمد يسوع وخرج من الماء، نزل روح ﷲ مثل حمامة وحلَّ عليه متى١٦:٣.وحالاً سُمع صوت من السماء قائلاً: «هذَا هُوَ إبْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ». وهكذا إنقضت ثلاثين عاماً من حياة يسوع في الناصرة. وبالتالي، ومع شهادة إلهية، بدأت الخدمة العلنية لإبن ﷲ الفريد.
المعمودية التي قام بها تلاميذ يسوع
بعد أن بدأت خدمة الرَّب يسوع العلنية، جاء الناس إليه كي يعتمدوا منه. قد يبدو من نصوص الكتاب المقدس الأمور التالية، أن يسوع عمّد هؤلاء التلاميذ شخصياً، «وَبَعْدَ هذَا جَاءَ يَسُوعُ وَتَلاَمِيذُہُ إِلَى أَرْضِ الْيَهُودِيَّةِ، وَمَكَثَ مَعَهُمْ هُنَاكَ، وَكَانَ يُعَمِّدُ» (يوحنا٢٢:٣). «فَلَمَّا عَلِمَ الرَّبُّ أَنَّ الْفَرِّيسِيِّينَ سَمِعُوا أَنَّ يَسُوعَ يُصَيِّرُ وَيُعَمِّدُ تَلاَمِيذَ أَكْثَرَ مِنْ يُوحَنَّا» (يوحنا١:٤).
بينما قيل لنا بوضوح في يوحنا٢:٤، أن يسوع نفسه لم يكن يعمِّد، بل تم ذلك بواسطة تلاميذه. لذلك، عندما يقول أنه كان يعمد، فهذا يعني ببساطة أنه فعل ذلك من خلال أشخاص مختارين ينوبون عنه.
وبصرف النظر عن الآيات التي سبق ذكرها، فليس لدينا أية نصوص أخرى تشير إلى المعمودية التي قام بها تلاميذ يسوع. إنّ العديد من علماء الكتاب المقدس يعتقدون أنها كانت مشابة جداً لمعمودية يوحنا. حيث أنها:
١. كانت في المقام الأول للشعب اليهودي. لقد كان الرَّب يسوع يقدِّم نفسه في هذا الوقت إلى خراف بيت إسرائيل الضَّالة.
٢. ربما كانت معمودية التوبة، لأن هدفّ رسالة يسوع «تُوبُوا لأَنَّهُ قَدِ إقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ» (متى٤:١٧).
الإختلاف الواضح بين الإثنين، بالطبع، هو أنّ أولئك الذين كانوا قد اعتمدوا بواسطة تلاميذ يسوع أصبحوا أتباع الرَّب معترفين بأنه المسيح وليس أتباع يوحنا المعمدان.
معمودية الآم المسيح للموت على الجلجثة
وهناك نوع رابع من المعمودية قد ورد ذكره في العهد الجديد، وهو شدّة آلام الجلجثة، عندما غاص الرَّب يسوع في شدة الآلام والموت. كان هذا متوقِعاً حيث قال: «وَلِي صِبْغَةٌ أَصْطَبِغُهَا، وَكَيْفَ أَنْحَصِرُ حَتَّى تُكْمَلَ؟» (لوقا٥٠:١٢). في كل عمله على الأرض كان يتطلّع إلى هذا الحدث لكي يتممه. في وقت آخر، أشار إلى تلك المعمودية عندما سأل يعقوب ويوحنا، «أَتَسْتَطِيعَانِ أَنْ تَشْرَبَا الْكَأْسَ الَّتِي سَوْفَ أَشْرَبُهَا أَنَا، وَأَنْ تَصْطَبِغَا بِالصِّبْغَةِ الَّتِي أَصْطَبغُ بِهَا أَنَا؟» قَالاَ لَهُ: «نَسْتَطِيعُ». فَقَالَ لَهُمَا: «أَمَّا كَأْسِي فَتَشْرَبَانِهَا، وَبِالصِّبْغَةِ الَّتِي أَصْطَبِغُ بِهَا أَنَا تَصْطَبِغَانِ. وَأَمَّا الْجُلُوسُ عَنْ يَمِيني وَعَنْ يَسَارِي فَلَيْسَ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ إِلاَّ لِلَّذِينَ أُعِدَّ لَهُمْ مِنْ أَبِي» (مرقس٣٨:١٠و٣٩؛ متى٢٢:٢٠و٢٣) وقد عنى به أنّ تلاميذه قد يعتمدوا بعموديته، أي أنهم قد يتألموا ويموتوا على أيدي الناس «وَبِالصِّبْغَةِ الَّتِي أَصْطَبِغُ بِهَا أَنَا تَصْطَبِغَانِ» لكن هو الوحيد الذي يمكنه أن يخضع لمعمودية الآلام من يد ﷲ، وذلك لأنه هو وحده الذي يمكنه أن يموت بديلاً عن الخطاة.
هذه هي المعمودية التي تكلّم عنها كاتب المزامير نبوياً، عندما قال: "غَمْرٌ يُنَادِي غَمْرًا عِنْدَ صَوْتِ مَيَازِيبِكَ. كُلُّ تَيَّارَاتِكَ وَلُجَجِكَ طَمَتْ عَلَيَّ (مزمور٧:٤٢).
لهذا نحن نرنِّم في إعجاب:
"أيها الرَّب يسوع، إنّنا نتذكر، عناء روحك،
عندما، من خلال شفقة حبك العميق،
طمت عليك الموجات،
تعمّدت في مياه الموت المظلمة،
وسال دمك من أجلنا.
بالنسبة لنا، أنت ربُّ المجد،
حُسبت مع الموتى.