دورة: خطة الله للزواج

الدرس: الفصل الأول - أُسس الزواج في العهد القديم

>


أُسس الزواج في العهد القديم
قراءات كتابية: تكوين١ :٢٧و٢٨؛ ٢ :١٨ـ ٢٥؛ ٢٧ :٧ـ٢٣؛ ٧:٣٤؛ ٢صموئيل٦ :٢٠ـ٢٣؛  أمثال٣١ :١٠ـ٣١؛ ملاخي٢ :١٠ـ١٧؛ متى١٩ :٣ـ١٢؛ ١كورنثوس٦ :١٥ـ٢٠؛ ١١ :٩؛ ١تسالونيكي٤ :٣
آية للحفظ: تكوين٢ :٢٤
ملخص للدرس:لقد وضع ﷲ أسس الزواج في عمل خليقته الرائع، وسوف نكتشف قصد ﷲ من الزواج من خلال فهمنا لهذا الأساس.
عندما سأل الفريسيون الرب يسوع عن عن قُدسية الزواج وديمومته (متى١٩ :٣ـ١٢) أجابهم بأن أشار إلى تعليم ﷲ الأساسي الموجود في سفر التكوين. كان بإمكانه أن يستعرض أمثلة وآراء معاصرة تتعلق بالزواج يروّج لها كبار المفكرين في أيامه، كما كان من الطبيعي لهُ أيضًا أن يُردِّد تعليم بعض عظام الحاخامين مما سيدخله في جدل تفسيري (الأمر الذي كان سائلوه يريدونه) أو كان بإمكانه أن يحيِّر سائليه بأن يشرح لهم بعض الإختلافات المدهشة حول تقاليد الزواج الموجودة في الثقافات المتنوعة في أزمنة متعاقبة. على أية حال، إنّ إشارته الحاسمة إلى سفر التكوين تعطينا منظورًا وأساسًا نحتاجه لفحص الأسس الكتابية عن الزواج والأسرة.
الزواج في ضوء الخليقة
إنّ أول مقطع إقتبسه الرَّب عند إجابته عن السؤال المتعلق بالزواج كان تكوين١ :٢٧. لا شكَّ في أن البعض من سامعيه قد دهشوا من جوابه، لأنّ كثيرين منهم لم يروا بالضرورة أية علاقة مباشرة بين المقطع والموضوع المطروح. ومع ذلك، ولأن الرَّب إستخدم هذا المقطع من الكتاب وبمساعدة نصوص أخرى من الكتاب فمن الواضح أن تكوين١ :٢٧ سيكون أساسًا لفهمنا لنظرة الكتاب عن الزواج. هيا بنا نلاحظ ميزات هذا العدد المتعلق بموضوع الزواج.
أولاً: لاحظ طبيعة عمل اﷲ الإبداعي في الخليقة. فلو كان الإنسان نسخة أكثر رُقِيًّا من الحيوان فقط، بعد عملية تطوّر طويلة الأمد، لما زاد الزواج عن كونه مجرد مؤسسة متطورة وكان الإنسان جزءًا من هذه العملية، عندئذٍ يمكن أن يُنظر إلى الزواج على أنّهُ غير مكتمل. لكن لو كان الإنسان مخلوقًا مميَّزًا صُنع على صورة ﷲ وشبهه، فالصورة سوف تختلف كليًّا بحيث تصبح قضايا الأخلاقيات والمحاسبة أمام ﷲ ومسؤولية الإنسان أمام ﷲ من الأمور الضرورية للغاية..
يوضح سجلّ سفر التكوين على أية حال، أن الزواج كان جزءًا من خطة ﷲ الخلاَّقة، بحيث لم تكن فكرة إجتماع رجل واحد بإمرأة واحدة لكي يعيشا معًا لأجل مجد ﷲ فكرة الإنسان، بل كانت فكرة ﷲ. وبالتالي، أصبح الزواج فريضة للخليقة، بحسب ترتيب ﷲ، ومسؤولية كل البشر.
ثانيًا: من المهم ملاحظة أن ﷲ صنع رجلاً واحدًا وإمرأة واحدة، فإنّ الحقيقة المتمثلة في أنّ ﷲ لم يخلق رجلاً واحدًا وثلاث نساء (أو رجلين أو امرأتين أو أي مزيج آخر) لكنه خلق رجلاً واحدًا وامرأة واحدة، تعطينا رسالة واضحة عن قصده في الزواج. فالاختلافات الجنسية ضرورية وهي شيء أساسي في الزواج الكتابي، وأية قوة أو فكر يحاول إزالة الفروقات الجنسية يكون بذلك يحاول إزالة الزواج الكتابي.  
ثالثًا: في ضوء الإرتباك السائد اليوم بخصوص الفروقات الجنسية علينا أن نلاحظ أنّ خَلق الرجولة والأنوثة هو قصد ﷲ المباشر، ويعطينا  تكوين١ :٢٧ الركيزة كي نقول أنّه إذا كنتِ أنثى فذلك لأن ﷲ قصد أن تكوني كذلك، وإذا كنتَ ذكرًا فذلك لأن ﷲ قصد لك بأن تكون كذلك.
إنّ الحيرة والإستياء بخصوص جنس الفرد ليس نابعًا من كلمة ﷲ. فالكتاب المقدس واضحٌ، وتعليمه المتناسق هو أنّ ﷲ نفسه رسَمَ وخلق الفروقات الجنسية. وقد أظهر بكل وضوح أن الرجال والنساء متساوون في التقدير والقيمة، كما أنّهُ رسم أدوارًا مختلفة لكل من الرجل والمرأة في الحياة الزوجية والأسرية.
قبل أن نتقدم في دراستنا، نرجو ملاحظة تكوين١ :٢٨. ففي عالم مليء بالزيجات التعيسة والكارثية، من الجدير بنا العودة للإشارة إلى هذا العدد. تذكر أن موقف ﷲ الذي عبَّر عنه منذ البدء بجمعه الرجل بالمرأة كان بهدف البركة: «وباركهم ﷲ». وعبر صفحات الكتاب المقدس، ولا يوجد أية إشارة إلى أن ﷲ غيَّر موقفه نحو مباركة الزواج.
إنّ مباركته على أية حال، تتطلّب أن نُتمم قصده ونتَّبع النموذج الذي وضعه. فكما هو الحال في هذا المجال وفي مجالات أخرى، إنّ موقف ﷲ ثابت. فهو قد دبَّر طريق البركة لكننا إن اخترنا أن نسير خارج هذا الطريق فسنفقد بركته. إنّ أحد أهداف هذه الدراسة هو تشجيع فهمنا والتزامنا في طاعة تعليم الكتاب المقدس عن الزواج والعلاقة الأسرية، وبالتالي جني بركات ﷲ.
ﷲ يعطي رفيقاً لآدم
إنّ المقطع الكتابي الثاني الذي استشهد به الرَّب يسوع في رده على سؤال الفريسيين بما يتعلَّق بقدسيَّة الزواج وديمومته هو تكوين ٢ : ١٨ ـ ٢٥. ليس بإمكاننا إستنفاذ كل الخصائص المميَّزة في هذا المقطع في دراستنا المختصرة، لكننا سنلفت الإنتباه إلى عدد من الأمور ذات الأهمية. إنني أشجع الدراسة الجديَّة لسَبر غوْر هذا المقطع الكتابي.
إنّ المبادرة التي قام بها ﷲ واضحة من خلال هذه الأعداد. لاحظ، على سبيل المثال، الأفعال القوية المستخدمة التي تصف مبادرة ﷲ: أَوقَعَ، أخَذَ، مَلأَ (أو بَنى بالمعنى الحرفي)، أَحضَرَ. إننا نلاحظ بوضوح إدراك ﷲ بأن الرجل كان وحيدًا. ليس لدينا أي دليل بأن آدم كان يملك شعورًا بهذه الوحدة، وعلى الأقل لم يكن هناك أي ملاحظة عن أي تذمُّر، ومع ذلك فقد رأى ﷲ حاجة الإنسان وسدَّدها له، بحسب خطّته وحكمته.
لاحظ أن حاجة آدم لرفيق لم يكن بالإمكان تسديدها من عالم الحيوان. فقد كان آدم متسلطًا على جميع الحيوانات (ع١٩و٢٠) حتى أنّهُ دعاها بأسماء، لكن بحُكم تميُّز خلق الإنسان وتفوَّقه عن الحيوان، لم يكن آدم يتمتع فقط بشركة مع ﷲ ولكنه كان يمتلك العقل وإمكانية النطق مما مكَّنه من تسمية جميع الحيوانات. لقد كان الإنسان مخلوقًا مميَّزًا وليس مجرّد كائنًا شبيهًا بالقرد، كما يريدنا البعض أن نصدِّق.
ومن الجدير أيضًا ملاحظته أنه في ذلك الحين كان لآدم شركة متواصلة مع ﷲ، ومع ذلك، كان لديه إحتياج إجتماعي لم يكن قد تحقق بعد حتى في شركته مع ﷲ. إنّ حقيقة خلق ﷲ للإنسان مع الحاجة إلى رفيق إجتماعي له لها العديد من الآثار الهامة.
عندما قرَّر ﷲ تسديد إحتياج الإنسان إلى شريك، فإنّه لم يصنع كائنًا آخر من تراب الأرض. لقد كان آدم قد تكوّن هو والحيوانات من تراب الأرض، لكن الخالق في هذه النقطة عمل شيئًا فريدًا من نوعه على الإطلاق، فقد أخذ ضلعًا حيًّا من جنب آدم وبنى منه رفيقًا، إمرأة.
لقد كان خَلْق حواء تتويجًا لعمل خليقة ﷲ. فلو كان ﷲ قد صنع حواء من تراب الأرض  لكانت حواء اختلفت عن آدم بقدر اختلاف الحيوانات عن بعضها  البعض. لكن تفسير الكتاب المقدَّس هو أن ﷲ «صَنَعَ مِنْ دَمٍ وَاحِدٍ كُلَّ أُمَّةٍ مِنَ النَّاسِ» (أعمال١٧ :٢٦). وهذا صحيحٌ ضمنًا، سواء كان ذكرًا أم أنثى، فإنّ كل البشر يشتركون بنفس أصل الخلق، فقد خُلقنا بالتساوي على صورة ﷲ ومثاله.
يشير سفر التكوين٢ :٢٣ بأن آدم أدرك في الحال تميُّز الكائن الجديد الذي خلقه ﷲ. وأخيرًا وجد آدم معينًا نظيرًا له من نفس طبيعته! فإستعمال المفردات في عبارة «هذِہِ تُدْعَى إمْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ امْرِءٍ أُخِذَتْ» يشير إلى بصيرة آدم لما قد تمَّمه ﷲ.
ﷲ يؤسس الزواج
إنّ التصريح الوارد في تكوين٢٤:٢ يحتل أهمية عظيمة أكثر مما يدركه بعضنا. ربما لا يوجد تصريح آخر في الوحي المقدس قد اِقْتُبس أو أشير إليه على نحو متكرِّر أكثر من هذا. (قد ترغب في البحث في الكتاب المقدَّس عن تلميحات أو شواهد أو إقتباسات لهذا التصريح). إنّ هذا التصريح يستحق منا إنتباهًا دقيقًا. وسنتناول هنا عددًا من التفسيرات لأهميته.
لنلاحظ أوَّلاً الكلمات العبرية التي ترجمت بِ «يَترك» و «يَلتصِق». بما أن الكتاب المقدس يعلمنا إستمرار المسؤولية لأن يُكرم، يحترم، ثم في مرحلة متقدمة أن يرعى الشخص والديه، فإنّ الترك لا يعني إنهاء العلاقة إنهاءً كاملاً، بل المقصود هو أنه على الشخص المتزوج  أن يشرع في تأسيس وحدة مجتمع جديدة ومستقلة.
إذًا الترك هو أحد التعاليم الأساسية لكلمة ﷲ التي تقودنا إلى الفكر الكتابي عن نواة الأسرة. هذا عندما يلتصق الرجل والمرأة معًا أمام ﷲ، فهما بذلك يكوِّنان وحدة مجتمع جديدة ومميزة. وكزوجين تقع عليهما مسؤولية تنفيذ قصد ﷲ في حياتهما (هذا التعليم هو تعليم أساسي للتعليم اللاحق الذي يقول أن الإعتماد المالي والعاطفي على الوالدين قد يؤدي إلى دمار العلاقة الزوجية).
إنّ كلمة «يَلْتَصِق» تعني التمسك بالشيء وعدم تركه، وهي تصف قدسيَّة الزواج وديمومته. فالتعهُّد الكتابي الحقيقي في الزواج يعني الإلتزام بشريك واحد مدى الحياة.
ولكي نفهم التعبير الأخير من هذا العدد، «وَيَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا»، دعنا ننظر مرة ثانية إلى إشارة الرَّب في متى١٩:٦. لقد أشار الرَّب يسوع إلى أن المقطع بأكمله يتعلَّق بشخصين. ومع ذلك، إنّ الزواج يخلق علاقة وحدة بين شخصين أعمق بكثير من مجرد كونهما معًا. من الممكن لأي شخصين أن يكونا معًا، لكن فقط الرجل والمرأة اللذان يتوحّدان معًا بعلاقة حميمة بالزواج الكتابي، يمكنهما حقًّا أن يكونا واحدًا. سنبحث بهذا مطولاً في الدَّرس الخامس.
إنّ كلمة «واحدًا» في هذا المقطع الكتابي تعني وحدانية مركَّبة ـ أي واحد مكوَّن من أكثر من واحد ـ وليس وحدانية مطلقة. (لاحظ أن نفس كلمة الوحدة المركبة هذه وردت في الإشارة إلى وحدانية ﷲ في سفر تثنية ٦ : ٤!) فإذا كانت الوحدانية المطلقة هي المقصودة هنا، فهذا يعني أن كل واحد من شريكي الزواج يفقد هويته الفردية في هذه العلاقة. ومع ذلك فإنّ  الوحدانية المركبة تشير بأننا لا نفقد شخصيتنا الفردية أو هويتنا الشخصية عند الزواج.
إننا نعرف من مقطع كتابي رئيسي ١كورنثوس٦ :١٥ـ٢٠ بأن العلاقة الجنسية الحميمة في الزواج متأصلة في التعبير «جسدًا واحدًا». فالأداء الجنسي لم يبدأ بعد السقوط، وقد كان جزءًا من قصد الخالق لخليقته، وهو أمرٌ مكرَّم داخل نطاق العلاقة الزوجية (عبرانيين٤:١٣).
نظرتان متميزتان عن الزواج
قبل ترك هذا البحث المختصر لتكوين2 يلزمنا أن نلاحظ نظرتين متميزتين عن العلاقة في الزواج. فعندما نتأمَّل بعمل ﷲ الحيّ في إرساء أساس الزواج بخلقه الرجل والمرأة وجمعهما معًا، نرى رأيين مختلفين:
يُعتبر الزواج من وجهة نظر الرجل، بأنه مسألة تُلبّي إحتياج ما. فقد رأى ﷲ إحتياجًا عند آدم، فصنع حواء وأحضرها إليه كي يلبي ذلك الإحتياج. على الرغم من أن معظم المجتمعات تعلِّم الشباب البحث عن زوجة من منطلق الرغبة، إلاّ أنّ الكتاب المقدس يشدد على حاجة الرجل للإمرأة. فلو قال الرجل: «أريد زوجة» فهو بذلك ربما يعبِّر عن رغبة سطحية وانجذاب عابر. لكن إذا قال الرجل: «أحتاج إلى زوجة، لأنها ستكون ترتيبًا يقدمه ﷲ لي لتلبية إحتياجي» فإنه هنا يعبر عن احتياج على أساس أكثر ثباتًا للعلاقة.
أما من وجهة نظر المرأة، فإنّ قصد ﷲ من خلق حواء هو أن تكون معينًا لآدم وتسدِّد له إحتياجاته. وبذلك يكون منظور المرأة الرئيسي في الزواج الكتابي هو تقديم العون لزوجها وتلبية إحتياجاته.
يشير الرسول بولس إلى هذين المنظورين المتميِّزين في ١ كورنثوس١١ :٩ حيث يقول بأن المرأة خُلقت من أجل الرجل لا الرجل من أجل المرأة. فإنّ كلا المنظورين لهما أهميتهما في الزواج الكتابي، وإذا غابَ أي من هذين المنظورين المتميزين، يتوقَّف الزواج جزئيًّا عن كونه مؤسسًا على المباديء الكتابية حقًّا.
الثقة في الزواج
عند بحثنا في العهد القديم عن التعليم الأساسي المختص بالزواج وحياة الأسرة، فإننا سنرى أن الثقة أمر مهم جدًّا في العلاقة الزوجية. فالكتاب المقدس يزودنا بصور كثيرة لعلاقات زوجية من شأنها أن توضح أهمية الثقة. لا يمكننا بطبيعة الحال التمعّن بكل من هذه الصور في هذه الدراسة المقتضبة، لكن يستطيع القارئ أن يستفيد كثيرًا لو صرف وقتًا للتمعّن في عدد منها. اقرأ أمثال٣١ :١٠ـ٣١ (خاصة عدد١١٢صموئيل٦ :٢٠ـ٢٣، تكوين٢٧ :٧ـ٢٣. لاحظ المآسي التي تُبرز الحاجة للإنفتاح المستمر والتواصل الصحيح من أجل الحفاظ على الثقة داخل الزواج.
وجهات نظر عن الزواج
يوجد في العالم اليوم ثلاث وجهات نظر أساسية عن الزواج:

الزواج باعتباره سِرّ
تَكْمُن جذور وجهة النظر عن الزواج بإعتباره سِرّ في كتابات أغسطينس الذي تحدث عن الزواج على أنه «رباط سرّي»، وعَلَّم بأن ﷲ يمنح النعمة من خلال الكنيسة ومن خلال المشاركة في طقوسها الدينية. وبهذا، يُنظر إلى الزواج على أنّهُ متأصِّل في أنظمة قانون الكنيسة.
في الواقع، لا يوجد في الكتاب المقدس أي شيء يشير إلى أن مؤسسة الزواج نفسها تمنح النعمة الإلهية بشكل سرِّي. فالزواج وسيلة لإنجاب حياة جسدية جديدة، وليس وسيلة لتحقيق الحياة الروحية. إنّ علاقة الزوج والزوجة في الكتاب المقدس لا تخضع لسيطرة الكنيسة.
الزواج بإعتباره عقد
يُنظر إلى الزواج من الناحية التاريخية (وهذا هو الرأي العلماني السائد عن الزواج في الثقافة الحديثة) باعتباره إتفاق ثنائي يتم عقده طوعًا، ويُحفظ أو يُحلّ بموافقة إثنين من الأفراد. وهكذا فإنّ الزواج متأصِّل في معايير القانون المدني.
تتعامل العقود عادة مع إجراءات محددة وتكون مشروطة باستمرار تأدية الإلتزامات المتعاقد عليها من قبل الشريك الآخر. يمكننا تَتبُّع نموذج الزواج باعتباره عقد بالعودة لزمن المحاكم في القرون الوسطى للكنسية (أي في القرن ال17) ولمفكري عصر التنوير الذين ثبَّتوا الزواج في القانون المدني، بحيث تُمنح السلطة للقيام بالزواج من قبل السلطة الموكّلة من قبل الدولة.

إنّ نموذج الإتفاق التعاقدي للزواج لا يمكن إيجاده في أي مكان في صفحات الكتاب المقدَّس، وهو يشكِّل أساسًا ضعيفًا جدًّا لديمومة وقدسية الزواج، وهو يفتح الباب لمجموعة متنوعة من الإتفاقيات الزوجية التي يحظرها الكتاب المقدس بشكل واضح.
الزواج باعتباره العهد
إنّ النظرة إلى الزواج باعتباره عهد متأصِّلة في معايير الناموس الإلهي. وهكذا، فالزواج هو رباط مقدس بين رجل وامرأة أُسِّس مِن قِبَل ﷲ وأُدخل في حيِّز التنفيذ أمامه (سواء تم الاعتراف بذلك من قبل الزوجين أم لا) ويُتَمَّم عادة عن طريق الإتصال الجنسي. إنّه عهد زواج محصور بين رجل واحد وامرأة واحدة، يُتمَّم في الإتحاد الجنسي ويخلق شراكة دائمة وداعمة لبعضهما البعض، ويتوّج عادة بهبة الأطفال.
يرد أساس نموذج الزواج كعهد في لغة سفر التكوين24:2، وغيرها من المقاطع الكتابية التي تشير صراحة إلى الزواج باعتباره «عَهْد» (خصوصًا أمثال١٦:٢-١٧؛ ملاخي١٤:٢). في حين أنّ بعض الملامح التعاقدية يمكن أن تظهر في بعض الشواهد الكتابية عن الزواج، إلاّ أنّ الزواج في المقام الأول، هو مرسوم أُنشئ بميزات العهد.
هناك آثار هامة لهذا، فالإلتزام بالزواج على أساس العهد يشمل ما يلي:
1- ديمومة الزواج: يُقصد من الزواج أن يكون مُستمرًّا، لأنّهٌ تأسس من قِبل ﷲ (متى6:19)؛ ولا ينبغي الدخول فيه بتهاون أو بخفَّة، فهو ينطوي على تعهد رسمي لشريك واحد أمام ﷲ.
2- قُدسيَّة الزواج: إنّ الزواج ليس مجرد إتفاق بشري بين فردين متراضيين (التكوين24:2). إنه علاقة تكون أمام ﷲ وتحت إشرافه (وليس طقسًا دينيًّا).
3- حميميَّة الزواج: الزواج هو أكثر العلاقات الإنسانية حميمية، حيث يوحِّد رجل واحد وامرأة واحدة في رباط «جسد واحد» (تكوين23:2-25). يتضمَّن هذا الأمر ترك كل شخص للعائلته الأصلية وإنشاء وحدة أسريّة جديدة متميزة عن العائلتين الأصليتين.
4- التسليم المتبادل في الزواج: إنّ الزواج هو علاقة يُسلِّم فيها الشخص ذاته للآخر بلا مقابل (أفسس25:5-30). بحيث يجب أن يكون شريك الحياة أوَّلاً وقبل كل شيء، مهتمًا برفاه الشخص الآخر وملتزمًا به في محبة ثابتة وإخلاص. لا يعني هذا بالتحديد التشابه في الأدوار، فعلى النساء أن يخضعن لأزواجهن ويكن مساعدات لهم، في حين يتحمَّل الرجال المسؤولية الأساسية للزواج أمام ﷲ.
خصوصيَّة الزواج: لا يجب أن تتدخَّل أي علاقة إنسانية أخرى بعهد الزواج بين الزوج والزوجة (تكوين22:2-25؛ 1كورنثوس2:7-5).