دورة: أمثال للحياة - دراسة لسفر الأمثال

الدرس: الفصل الأول - مخافة الرَّب تساعد في العلاقات الشخصيّة

>


مخافة الرَّب تساعد في العلاقات الشخصيّة
«بَدْءُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ الرَّبِّ وَمَعْرِفَةُ الْقُدُّوسِ فَهْمٌ» (أمثال١٠:٩)
«مَخَافَةُ الرَّبِّ رَأْسُ الْمَعْرِفَةِ. أَمَّا الْجَاهِلُونَ فَيَحْتَقِرُونَ الْحِكْمَةَ وَالأَدَبَ» (أمثال٧:١)
«خَشْيَةُ الإِنْسَانِ تَضَعُ شَرَكاً وَالْمُتَّكِلُ عَلَى الرَّبِّ يُرْفَعُ» (أمثال٢٥:٢٩)
«مَخَافَةُ الرَّبِّ لِلْحَيَاةِ. يَبِيتُ شَبْعَانَ لاَ يَتَعَهَّدهُ شَرٌّ» (أمثال٢٣:١٩)
ما هي الحكمة؟
بينما يعالج سفر المزامير العلاقات مع الله فإن سفر الأمثال يعالج نواحي علاقاتنا مع غيرنا من بني البشر. حكمة ﷲ في سفر الأمثال هي الحكمة التي نحتاجها للتعامل مع غيرنا بالطريقة التي بها نُرضي ﷲ، والحكمة هي أن تفعل أو تقول القول الصحيح في الوقت الصحيح وبالطريقة الصحيحة، أما عكس الحكمة فهو الحماقة، والإنسان الأحمق هو الذي يعمل أو يقول الأشياء المغلوطة في أوقات غير مواتية وبطريقة مغلوطة أيضاً. ثمّ أنّ الأحمق هو من يخشى الإنسان ولا يخشى ﷲ، «اَلْجَاهِلُ لاَ يُسَرُّ بِالْفَهْمِ بَلْ بِكَشْفِ قَلْبِهِ» (أمثال٢:١٨)، «طَرِيقُ الْجَاهِلِ مُسْتَقِيمٌ فِي عَيْنَيْهِ أَمَّا سَامِعُ الْمَشُورَةِ فَهُوَ حَكِيمٌ» (أمثال١٥:١٢).
في الأصحاحات التسعة الأولى من سفر الأمثال نجد مقارنات بين الحكمة والجهالة. وليم مكدونالد في تفسيره للكتاب المقدس للمؤمن «Believer’s Bible Commentary» يصف الأمر على النحو التالي: إننا نسمع صوتين يناديان الرجال أثناء مرورهم، واحد هو صوت الحكمة والآخر هو صوت المرأة الأجنبية. الحكمة، وبالرغم من أنها ممثَّلة هنا كإمرأة، إلاّ أنها في الواقع تمثّل الرَّب يسوع المسيح، والمرأة الأجنبية هي نوع من التجربة الشريرة والعالم الآثم. إنه يقول للشاب: «إِقْتَنِ الْحِكْمَةَ. إقْتَنِ الْفَهْمَ… لاَ تَتْرُكْهَا فَتَحْفَظَكَ. أَحْبِبْهَا فَتَصُونَكَ» (أمثال٥:٤ و ٦). إن الشاب الذي يرفض الحكمة، على أية حال، يختار بدلاً عنها المرأة الجاهلة. إن أمثال١٣:٩– ١٨ يصوّر المرأة الجاهلة التي تُغوي الفتى صغير العقل، وتقول الأعداد عن الفتى الذي يدخل بيتها أنه «وَلاَ يَعْلَمُ أَنَّ الأَخْيِلَةَ هُنَاكَ وَأَنَّ فِي أَعْمَاقِ الْهَاوِيَةِ ضُيُوفَهَا» (أمثال١٨:٩).
المقدرة على التعلُّم:
«لأَنَّهُمْ أَبْغَضُوا الْعِلْمَ وَلَمْ يَخْتَارُوا مَخَافَةَ الرَّبِّ… فَلِذَلِكَ يَأْكُلُونَ مِنْ ثَمَرِ طَرِيقِهِم وَيَشْبَعُونَ مِنْ مُؤَامَرَاتِهِم» (أمثال٢٩:١-٣١). يجب علينا أن نرغب بالحكمة وإلاّ سنعاني من عواقب رفضها.
إستُخدِمت كلمة «حكمة» أكثر من خمسين مرة في سفر الأمثال وكلمة «معرفة» أكثر من أربعين مرة، وفيما يلي بعض النماذج عن إستخدام كلمة «حكمة» في سفر الأمثال:
«طُوبَى لِلإِنْسَانِ الَّذِي يَجِدُ الْحِكْمَةَ وَلِلرَّجُلِ الَّذِي يَنَالُ الْفَهْمَ» (أمثال١٣:٣)
«الْحِكْمَةُ هِيَ الرَّأْسُ فَاقْتَنِ الْحِكْمَةَ وَبِكُلِّ مُقْتَنَاكَ إقْتَنِ الْفَهْمَ» (أمثال٧:٤-٨)
«لأَنَّ الْحِكْمَةَ خَيْرٌ مِنَ اللّآلِئِ وَكُلُّ الْجَوَاهِرِ لاَ تُسَاوِيهَا» (أمثال١١:٨)
«مَخَافَةُ الرَّبِّ أَدَبُ حِكْمَةٍ…» (أمثال٣٣:١٥)
«قِنْيَةُ الْحِكْمَةِ كَمْ هِيَ خَيْرٌ مِنَ الذَّهَبِ وَقِنْيَةُ الْفَهْمِ تُخْتَارُ عَلَى الْفِضَّةِ!» (أمثال١٦:١٦)
«إِقْتَنِ الْحَقَّ وَلاَ تَبِعْهُ وَالْحِكْمَةَ وَالأَدَبَ وَالْفَهْمَ.» (أمثال٢٣:٢٣)
«مَنْ يُحِبُّ الْحِكْمَةَ يُفَرِّحُ أَبَاهُ…» (أمثال٣:٢٩)
«أَمَّا الأَغْبِيَاءُ فَيَمُوتُونَ مِنْ نَقْصِ الْفَهْمِ.» (أمثال٢١:١٠ )
«اَلْمُقْتَنِي الْحِكْمَةَ يُحِبُّ نَفْسَهُ. الْحَافِظُ الْفَهْمِ يَجِدُ خَيْراً.» (أمثال٨:١٩)
الرّغبة في الحكمة ونَيْلها:
يقول سليمان أن طريقة نَيْل الحكمة هي أن تخاف ﷲ (أمثال١٠:٩).
هذا التعبير يبدو غريباً على مسامعنا، وأغلب الناس يظنّون أن السبيل لنيل الحكمة هي في إرتياد الجامعة، أو في مطالعات شخصيّة مساعِدة. أما ﷲ فيقول أنه لكي ننال الحكمة يجب أن نخافه. ولكن ماذا يعني أن نخاف ﷲ؟
إن سفر الأمثال يذكر ما يقرب من العشرين مرة أن علينا أن نخاف ﷲ. والكلمة العبرية المترجمة «مخافة» هي (يرآه) יראה والكلمة بمعنى «خائف» (يَري) ירא. فهاتان الكلمتان تعنيان «أن يُوَقِّر أو يُعَظِّم» وتعنيان أن نعطي ﷲ أعظم ما لدينا من الإحترام والتبجيل والكرامة والحب والولاء. وبالمقابل، حين يستخدم سفر الأمثال كلمةً تشير إلى الخوف من الناس فإنه يختار كلمة חרדא (حَرَدا) أي أن يخشى أو أن يرتعب.
إن كل شخص يخاف أحياناً، فالأحداث في السنّ يخشون من عنف زملائهم عليهم، وأبناء الشبيبة يخشون الإنتقاد والرفض، والمحتجزون في مأوى أو سجن يخشون من أعدائهم، بل ومن أصدقائهم في زمرة المجرمين أيضاً، إنهم يخشون مما يمكن أن تفعله عصابة المجرمين فيما لو قرّروا أن يصبحوا مؤمنين وقرروا أن يتخلوا عن عصابتهم.
يقول ﷲ توقفوا عن الخوف من كل هذه الأمور، ويقول أيضاً: «خَشْيَةُ الإِنْسَانِ تَضَعُ شَرَكاً وَالْمُتَّكِلُ عَلَى الرَّبِّ يُرْفَعُ.» (أمثال٢٥:٢٩). ويقول لنا توقفوا عن الخوف من الآخرين، وبدلاً من ذلك كَرّّموني فأنا خالقكم، وإني أنا حارسكم وأستمع لحديثكم معي، وأنا الذي يعرف كل فكرة من الأفكار التي تدور في خلدكم، وأنا هو الذي يجب أن تقدموا له الحساب: «لأَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنَّنَا جَمِيعاً نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ، لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ بِالْجَسَدِ بِحَسَبِ مَا صَنَعَ، خَيْراً كَانَ أَمْ شَرّاً» (كورنثوس الثانية١٠:٥). إخشوني، كرّموني، قفوا برِعدة أمامي وادركوا «لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ» (أعمال٢٣:١٧). ويقول ﷲ: أنا من يجب أن تخافون وليس الناس.
مَخافَة الناس بَدَلاً مِنْ مَخافة ﷲ:
بدأ الشاب "رياض" حياته بداية قاسية، فمنذ أن كان صبياً ترك والده المنزل، وقضت أمه معظم وقتها في الحانات، وفي غضون ذلك، تحرّش به أحد أعمامه، فنشأ في بيوت جماعية، وانتهى به المطاف إلى السجن مع شاب تظاهر بالشجاعة. وكان في الواقع خائفاً ولم يشأ التقرب من الآخرين لئلا يستغلونه.
نال رياض الخلاص في السجن، وإذ امتلأ بالروح القدس، أخذ يتنقّل من زنزانة إلى أخرى يكرز بمساجين آخرين، إلاّ أنّهم باعدوا ما بينه وبينهم لإعتقادهم بأنّه كان متعصباً. ولما كان رياض يخشى التقرب من أي شخص، لم يتمكن من تكوين أصدقاء دائمين حتى بين إخوانه المؤمنين.
عندما أُطلق سراح رياض بشروط، إلتحق بدورة للتلمذة بإدارة إحدى الإرساليات، إلا أنه وفي منتصف الدورة، طُلب إليه أن يغادر، وأَبلغَت الإرسالية رياض بأنّه غير قابل للتّعلُّم. لم ينشئ رياض أي أصدقاء في داخل الإرسالية، فأوذيَ من ذلك. لقد حصل على غرفة وعلى عمل، ولكنه سرعان ما أصبح مرتاباً أشد الإرتياب بالأشخاص الآخرين الذين يعملون معه، لذلك ترك هذا العمل وأعمال أخرى كان قد إشتغل بها.
تحول رياض إلى إنسان لا يحب مخالطة الناس ففقد محبته للمسيح. حاول الإنتماء إلى عدة كنائس ولكنه لم يتأقلم مع أية كنيسة، وشاء أحد القسس تلمذتِه، إلاّ أنّ رياض إمتنع عن القبول، وأخذ يحس بالشّك في كل شخص وحتى المؤمنين الناضجين الذين حاولوا مساعدته.
 ما الذي حدث؟ كانت لدى رياض قوة الروح القدس، واستطاع التقرب من مجموعة الغرباء وبدأ يعظ بهم، لكنه لم يستطع تكوين أي أصدقاء. حاول مؤمنون الوصول إليه ولكنه لم يستطع التجاوب معهم أو تطوير أية علاقات صحيحة، إستطاع أن يعظ لكن أسلوبه في القراءة جعل الآخرين في موقف حرج تماماً مثلما كانت قبضات يده تبعد الآخرين عنه حين كان غير مُخلّص، ثم إنّه لم يرغب في الإصغاء إلى الآخرين أو تقبل التعليمات وكان غير قادر على إنشاء علاقات مع غيره. لماذا؟ الإجابة هي أنّ رياض لم يطلب حكمة اﷲ ليتعلم كيف يشكّل وبنجاح علاقات مع الآخرين.
مَخافَة ﷲ بدلاً مِنْ مَخافة الناس:
عندما نخاف ﷲ بحقّ ونوقّره، فإننا لا نخاف الناس، وبدلاً من ذلك نحصل على حكمة اﷲ في كيفية التعامل مع جميع فئات الناس، ومنذ أن قتل قايين أخاه هابيل والناس في اضطراب حول كيفية تعامل الواحد مع الآخر، فنحن ممتلئون خوفاً وكراهية وحسداً وغيرة، وأحياناً يتحول خوفنا إلى جنون الإرتياب أو جنون الإضطهاد. على أية حال، عندما نبدأ نخاف ﷲ بحقّ فإن خوفنا من الإنسان يتلاشى، وعندما يحدث ذلك، يبدأ ﷲ يعلمنا ويمنحنا حكمته، إنّه يساعدنا على التعامل مع الناس صعبي المِراس، بل إنّه يعلمنا كيف نحب الآخرين. هذه الأمور كلها تحدث عندما نبدأ نخاف اﷲ بحقّ.
علّمنا المسيح أنّنا يجب أن نخاف ﷲ وليس الإنسان:
«وَلاَ تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ وَلَكِنَّ النَّفْسَ لاَ يَقْدِرُونَ أَنْ يَقْتُلُوهَا بَلْ خَافُوا بِالْحَرِيِّ مِنَ الَّذِي يَقْدِرُ أَنْ يُهْلِكَ النَّفْسَ وَالْجَسَدَ كِلَيْهِمَا فِي جَهَنَّمَ» (متى٢٨:١٠).
لقد علّمَ يسوع أن مخاوفنا في غير محلّها. فالإنسان يخاف الإنسان ما دام خوف اﷲ ليس في قلبه، ومثال عن الخوف من الآخرين بدل خوف اﷲ وارد في إنجيل يوحنا ٢٢:٩.
 فَكِّر بالمخاطر التي واجهها يسوع. فقد كان هيرودس مزمعاً على قتله والناس الذي نشأ معهم في الناصرة، حاولوا أن يدفعوا به من فوق جُرف صخري والزعامة الدينيّة أرادت أن تخرجه من المجمع، ويهوذا الإسخريوطي كان ينتظر الفرصة لكي يغدُر به، وحاولت أسرته أن تُثبِّط عزيمته، كما أنّ تلاميذه أساؤوا فهمه. وبينما هو معلَّق على الصليب يتعذب من أجل خطايانا تركه ﷲ يتحمّل الآلام وحده (متى٤٦:٢٧).
لكن يسوع لم يخف، لماذا؟ لأنه، إبن ﷲ الأزلي فقد كان قوة ﷲ وحكمة ﷲ (كورنثوس الأولى٢٤:١). إنه مصدر تلك الحكمة التي يحتاجها كل المؤمنين، ولأنّه مصدر تلك الحكمة فقد أظهر يسوع مقدرة عجيبة في التعامل مع مختلف فئات الناس في مختلف الحالات.
لقد عرف يسوع كيف يتعامل مع والديه بنُضج وباحترام تام، وكان في الثانية عشرة من عمره فقط، وعرف كيف يقود جماعة رجال مختلفي الطِّباع، مثل متّى اليهودي الذي كان يجبي الضرائب لمصلحة الرومان، وسمعان الغيور الذي أتى من جماعة حاقدة على الرومان، وكانت الأمهات والأولاد يطلبونه، وكان مطلوباً عند أشخاص مختلفين من منبوذين ومحترمين، ومن مرضى، كما من الناس العاملين وصيادي الأسماك العاديين. وقد حاور حاكماً شاباًّ ثرياًّ ومعلّماً يهودياًّ هو نيقوديموس وحتى بيلاطس وهيرودس طلبا إستجوابه. لقد كان تعامله مع هذه التشكيلة من الناس مدهشاً وبكل بساطة. وباعتباره حكمة ﷲ (كورنثوس الأولى٢٤:١) يرينا يسوع كيفية التعامل بنجاعة مع تشكيلة من الناس في كل حالة يتصورها العقل.
خاتمة:
إقرأ سفر دانيال وسوف تجد حالةً تستحق الدراسة عن أربع رجال يهود خافوا ﷲ. ولم يخشوا الأتون المتّقد أو جبّ الأسود، كما لم يخشوا تهديدات ملك شرير، أو مؤامرات الأشرار، ولأنّهم خافوا ﷲ وليس أحداً من البشر فقد أعطاهم اﷲ حكمة فائقة (دانيال١٧:١)، وأظهر لهم كيفية التعامل مع مختلف الحالات الصعبة.
«إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزهُ حِكْمَة
 فَلْيَطْلُبْ مِنَ اللَّهِ
الَّذِي يُعْطِي الْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ
وَلاَ يُعَيِّرُ، فَسَيُعْطَى لَهُ»
(يعقوب٥:١)