دورة: مرة في المسيح ففي المسيح إلى الأبد

الدرس: ١- مرة واحدة في المسيح، ففي المسيح إلى الأبد

>


مرة واحدة في المسيح، ففي المسيح إلى الأبد!

تمت مناقشة هذه المسألة الحاسمة منذ الأيام الأولى للكنيسة. هل يحصل المؤمن على خلاص ابدي، أم يمكن أن يفقد المؤمن خلاصه ان سقط في الخطيَّة؟ من جانب، هناك الكالفينيون، الذين يؤمنون بمثابرة القديسين وجهادهم الروحي ضد الخطيَّة معتمدين على كفاية عمل المسيح لأجلهم، و من جانب آخر،هناك الأرمينيون الذين ينادون بأن الخلاص مشروط، وسيستمر هذا الجدل العقائدي ما دامت الكنيسة  هنا على الأرض.
ولكي أكون صريحًا تمامًا، هناك نصوص كتابية تبدو داعمة لكل جانب. فهناك آيات، عندما تؤخذ منفصلة، تؤكد اعتقاد  الميثودثيست (نهضة القداسة ) أو بعض الكنائس الخمسينية، بما يُسمى أحيانًا «عقيدة الإرتداد» (هلاك المؤمن). وهناك آيات أخرى عديدة تؤكد رأي المعمدانيين ومؤمنين آخرين بأن خلاص المؤمن مضمون إلى الأبد.
ستجد مؤمنين حقيقيين في كلا الجانبين. جون ويسلي، وهو أرميني قوي، وتشارلز سبرجون، وهو كالفيني، يتمسك كل منهما بوجهة نظر متعارضة حول هذه المسألة، ولكن من الذي يمكن أن يشكك في صدق إيمان كل منهما؟ كان كلاهما مسيحيين حقيقيين. ولا يمكن لأي من الطرفين أن يدعي احتكاره للولادة الجديدة. كما لا يمكن لأي من الطرفين أن يدَّعي إحتكاره للقداسة.  فحياة التقوى للرجال والنساء من كلا المدرستين الفكريتين على حد سواء، تجعلنا حريصين على عدم استبعاد أي منهما أو التحدث عنهما كمهرطِقين، أو وصفهما بشكل غير لائق لأنهما أحباء في المسيح.
لذلك، في مناقشة هذه المسألة مع بعضنا البعض، لا جدوى من محاولة إثبات قضيتنا بأن نشير إلى المسيحيين البارزين. فالجانب الآخر يمكنه فعل ذلك بشكل فعال. بل إن الإقتباس عن هؤلاء القادة له قيمته فقط إذا استندت أقوالهم إلى الكتاب المقدس وساعدت على توضيحه.
ثمَّة طريقة أخرى غير مجدية في الجدل هي اللجوء إلى التجارب الإنسانية.كما لو كان  الأمر تسوية للمسألة مرة واحدة للأبد. كثيرًا ما نسمع القول: «حسنًا، أعرف رجلًا كان مؤمنًا وأرتدَّ عن الإيمان…». لكن ذلك يتجاوز ويتجاهل حقيقة أن هناك كل أنواع التجارب الإنسانية. والأهم من ذلك إنه نسي أن التجارب الإنسانية، لكي يتم تقييمها كدليل، يجب أن تتوافق مع كلمة الله.
وفي تشكيل قناعاتنا بشأن هذا الموضوع، يجب أن نتقدم من الكتاب المقدس بتواضع. فهناك مشاكل مشروطة أو غير مشروطة،على كلا الجانبين بشأن مسألة ضمان المؤمن الإبدي. ويجب أن نواجه تلك الحقيقة بصراحة.
يجب أن نتوجه الى الكتاب المقدس بخشوع، ونطلب من الرَّب أن يكشف لنا بالروح القدس الحقيقة ونحن ندرسها بالتفصيل. كما ينبغي أن نواجه الكتاب المقدس بشكل موضوعي. فبدلًا من مجرد البحث عن حجج لدعم مواقف مسبقة، ينبغي أن نكون منفتحين باستمرار لتعليم الروح القدس، وهذا أمر صعب باعتراف الجميع. لأننا عندما نقتنع علناً بموقف في أية قضية مثيرة للجدل، حتى يصبح من الصعب التغيير لألا يصيبنا الحرج.
ولدراسة موضوعية للحقائق الكتابية نتبع هذه الإرشادات البسيطة:
١- يجب أن ندرس الآية في ضوء سياقها المباشر، الآية في ضوء الأصحاح والأصحاح في ضوء السَّفر. فإذا كان السياق حول موضوع الخدمة، فلا ينبغي لنا ان نطبقه على الخلاص.
٢- يجب أن نفسر الآية في ضوء كل كلمة الله. فيمكن لأي فقرة واحدة، مفهومة بشكل معين، أن تتناقض مع عشرات الآيات الأخرى اذا ما فُسَّرت بمعزلٍ عن باقي الكتاب.
٣- يجب أن تشتمل كل التعريفات (المصطلحات الكتابية) على الإستخدام الرئيسي للكلمة.
٤- يجب أن تُبنى كل عقيدة على كل ما يعلمه الكتاب المقدس عن هذا الموضوع لا على آية واحدة فقط. الله
من الواضح من عنوان هذا الكتاب أن المؤلف يتبنى الرأي القائل بضمان المؤمن الأبدي. فيسعى في بقية الكتاب إلى وضع الأساس الكتابي لهذا الإعتقاد، لكنه يسعى أيضًا لشرح فقرات الكتاب المقدس الأكثر إستخدامًا  من قبل البعض في إثبات أن المسيحي يمكن أن يفقد خلاصه.
يتساءل البعض لماذا نقتبس عددًا قليلًا جدًا من آيات العهد القديم لدعم الضمان الأبدي، ويعطي مساحة صغيرة لشرح آيات العهد القديم المستخدمة لدعم الخلاص المشروط. لماذا هذا؟ السبب هو أن هذه ليست هي الموضوعات التي أُعلنت بشكل واضح في العهد القديم. فمثلًا، هناك عدد قليل جدًا من الفقرات التي تعالج موضوع الحياة في السماء بعد الموت. فليس هناك شك في أن المؤمنين اليهود تم خلاصهم بالإيمان بالرَّب. وليس عندي أي شك في أن هذا خلاص أبدي. فبرغم أنَّ شعب الرَّب كان لديه رجاء سماوي عب١٦:١١، كان توقعهم الأساسي في ملكوت المسيا هنا على الأرض. فالموضوع بالتالي كان غير واضح كإعلان العهد الجديد. ولذلك يعطي معنى خاصاًّ لإعلان بولس: «وَإِنَّمَا أُظْهِرَتِ الآنَ بِظُهُورِ مُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي أَبْطَلَ الْمَوْتَ وَأَنَارَ الْحَيَاةَ وَالْخُلُودَ بِوَاسِطَةِ الإِنْجِيلِ» (٢تي١٠:١). فالحقائق التي كانت موجودة في العهد القديم في شكل البذورفقط، هي التي أُعلِنت في العهد الجديد.
لكي لا يظن أحد أننا نحاول تجنب الصعوبات بعدم مناقشة فقرات العهد القديم الخاصة بضمان المؤمن المشروط، ينبغي أن نذكر أن بعض الأعمال النهائية حول الضمان المشروط تقصر إهتمامها أيضًا على العهد الجديد.
لن تهلك إلى الأبد:
إن واحدة من أكثر العبارات حسمًا بشـأن الضمان الأبدي للمؤمن هي الفقرة التالية: «خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي. وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي. أَبِي الَّذِي أَعْطَانِي إِيَّاهَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْكُلِّ، وَلاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَ مِنْ يَدِ أَبِي» (يو٢٧:١٠-٢٩). فيمكن أن نلتمس العذر لكل من يقرأ تلك الفقرة في اعتقاده أن من يولد ثانية هو في ضمان إلى الأبد. إلّا أنّه في الحقيقة من الصعب أن نرى كيف يمكن لأي شخص أن يصل إلى نتيجة مختلفة. دعونا ندرس العبارة فقرة فقرة ونتمتع بالضمان الذي تقدمه.
خرافي تسمع صوتي: وأنا أعرفها، وهي تتبعني: هذه عبارة توضيحية، تخبرنا عمن هم رعية المسيح وخرافه. إنهم الذين يسمعون كلمته، ويستجيبون لصوته في الإنجيل فينالون الخلاص.
وهو يعرفهم، يعرف إنهم خاصته. ويميزهم عن غير المؤمنين وعن المعترفين كذبًا. ويمكنه أن يقول أين يوجد إيمان حقيقي عندما  نشك في ايمان البعض، كما في حالة لوط ٢بط١٧:١ وشمشون عب٣٢:١١.
وهي تتبعه. هذا ليس شرطًا. فهو لا يقول إنهم خرافه إذا كانوا يتبعونه أو طالما إنهم يتبعونه، بل بالحرِّي، إن هذا هو ما يميز المؤمن الحقيقي: إنه يتبع المسيح بشكل مميز (أنظر: يو٤:١٠-٥). وأقول «بتميز» لأنه لا أحد يمكنه أن يفعل ذلك بشكل كامل. فنحن جميعًا «معرَّضون للزيغان والتيه… عرضة لترك الله الذي نحبه». لكن الراعي يتحمل مسؤولية استعادة خرافه الضَّالة.
وأنا أعطيها حياة أبدية: مرة أخرى لدينا وعد غير مشروط بدون قيود. الحياة الأبدية هبة. إن الهبة لو كانت  مشروطة فليست عطية على الإطلاق. وأي إنسان سلم نفسه للرَّب يسوع المسيح من أجل خلاصه،  يمكنه أن يعرف، بسلطان كلمة الله، أن له حياة أبدية.
لن تهلك إلى الأبد: تأمل للحظة واحدة في العواقب. لو هلك أحد خراف المسيح، لكان المسيح قد رجع في وعده، ولما صار بعد إلهًا، ولتوقف الثالوث عن الوجود، ولأصبح الكتاب المقدس غير ذي ثقة، ولبقينا في خطايانا. لا يمكن أن يحدث هذا، لأن تحقيق الوعد يعتمد على المسيح وحده، وليس على خرافه.
لا يخطفها أحد من يدي: إن يسوع المسيح ابن الله الأزلي، يضمن أن خرافه ممسوكة في يده، وأنه لا يمكن لأحد أن يختطفها أو يأخذها منه بالقوة.
يقول الأرمينيون: «لا أحد آخر يمكنه أن يخطفها بعيدًا، لكن المؤمن نفسه يمكنه أن يفعل ذلك». وهذا هو الغريب – إن المسيحي الحقيقي له قوة أكبر من أي شخص آخر في الكون. لا أحد – وهذا يشمل الخراف – يمكنه افلات نفسه من قبضة الراعي القوية.
إن أبي الذي أعطاني اياها  هو أعظم من الكل.
لمزيد من التأكيد على ضمان المسيحي، يقرر الرَّب يسوع أن المؤمنين الحقيقيين هم عطية الآب للإبن. فإذا كان يمكن لأحد المؤمنين أن يفلت ذاته من يد المسيح، فيمكن لكل الخراف أن تفعل ذلك. فهي ليس  فقط يمكنها، بل الأرجح إنها ستفعل ذلك. في هذه الحالة تختفي عطية الله لإبنه. فأي نوع من الهبات تكون؟ بالتأكيد ستكون غير جديرة بالآب.
لا، الآب أكبر من كل شيء، أي إنه أكبر من كل القوى الأخرى في الكون، وبالتأكيد أكبر من قوة أي من الخراف. وكلمة «جميع» تشمل الخراف كذلك.
لا أحد يقدر أن يخطفها من يد أبي: في ضوء هذا الضمان الرائع العجيب، من العَبَث أن يعترض الناس على أن خراف المسيح الحقيقية يمكنها أن تقرر أنها لا تريد أن تكون خرافًا فيما بعد، وبالتالي يمكنها إفلات نفسها من يد الآب. هذه الحجة لا تقدر أن تصمد. فعبارة «لا أحد» مطلقة، لا تسمح بأي استثناء. فالنص الموحى به لا يقول: لا أحد، باستثناء أحد خراف المسيح نفسه، ولا ينبغي لنا أن نقوم بذلك الإستثناء.
بالنعمة من خلال الإيمان
كلما فكرت في الضمان الأبدي، فإن واحدة من اولى الفقرات التي تتبادر إلى الذهن هي: «لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ. لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا» (أف٨:٢-١٠). الخلاص هو بالنعمة، وهذا يعني أنه لا أحد يستحق ذلك. فهو فضل من الله غير مستحق لأولئك الذين يستحقون العقاب الأبدي. إنه كل شيء مقابل لا شيء لمن لا يستحق أي شيء. إنه عطية، إن أعطيت، لن يتم سحبها ثانية: «لأَنَّ هِبَاتِ اللهِ وَدَعْوَتَهُ هِيَ بِلاَ نَدَامَةٍ» (رو٢٩:١١). العطية غير مشروطة، فإن أضفت لها شروطًا أصبحت دَيْنًا، وليست نعمة. إلا أن الله ليس مدينًا لأحد: «أَوْ مَنْ سَبَقَ فَأَعْطَاهُ فَيُكَافَأَ؟» (رو٣٥:١١). النعمة ذات الشروط ليست نعمة على الإطلاق. الطريقة الوحيدة لتأكد الإنسان من خلاصه هي بالنعمة رو١٦:٤. ففي هذه الفقرة يذكِّر بولس أهل أفسس إنهم بالنعمة نالوا الخلاص. وعندما قبلوا بالإيمان يسوع المسيح ربًّا ومخلصًا، نالوا الخلاص وما زالوا متمتعين بالخلاص. لم تكن هناك قيود أو شروط. كان حدثًا روحيًا نتائجه مستمرة. لم توضع عليهم أي شروط أو متطلبات قانونية مع تهديد بإدانة أبدية ممكنة. لا توجد أداة شرط «إذا» بعد كلمة «خلاص»، بل تميِّز الخلاص بعدم وجود شرط.
إنّ الله يعطي الخلاص هبة مجانية، ولكن يجب على الخاطىء أن يقبلها. أي إنه، هنا يأتي الإيمان. فالإيمان هو الثقة الضمنية في كلمة الله. الرَّب لا يجبر الناس. فهو لا يأخذ أي شخص إلى السماء لا يريد أن يكون هناك. ولكي ينال الإنسان الخلاص لا بد أن يقبل يسوع المسيح بفعل محدد من الإيمان. الإيمان ليس جدارة وبالتالي فإنه لا يترك مكانًا للمجاملة. ليس المهم هو مقدار الإيمان بل موضوع ذلك الإيمان.
عندما يضيف بولس: «وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ»، يعتقد بعض الناس أن المفهوم إنه يتحدث عن الإيمان. ثم يذهبون إلى استنتاج أن الله يعطي الإيمان لبعض الناس وليس لغيرهم. لكن هذا إستنتاج غريب. إذ يسبق عبارة: «وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ»، عبارة أخرى هي: «الخلاص بالنعمة من خلال الإيمان». فما يقوله بولس هو إنه ليس هناك إستحقاق لإنسان يمكن أن يفعله، لكي ينال الخلاص أو حتى يساهم في خلاص نفسه. كل الإستحقاق هو للمسيح، ولا شيء للمؤمن.
كما رأينا، الخلاص عطية مجانية من الله. وعندما يعطي الوعد غير المشروط للحياة الأبدية، لا يمكن في وقت لاحق إضافة أي قيود لإلغاء هذا الوعد. وعندما يهبنا عطية، لا يمكن لأي قانون لاحق أن يلغي تلك العطية.
الخلاص «ليس من أعمال كي لا يفتخر أحد». ليس هناك استحقاق يمكن للإنسان عمله لكي ينال الخلاص. وإلا، لكانت السماء ممتلئة بالمتفاخرين بتحصيل إنجازاتهم. الخلاص هو عمل الرَّب من البداية إلى النهاية. والإنسان هو وحده فقط المتلقي السعيد. إنه هو، وسيظل إلى الأبد، مجرد خاطئ نال الخلاص بالنعمة. النعمة والأعمال لا يجتمعان رو٦:١١. وتؤكد الآية أف١٠:٢، على أن الأعمال ليست هي وسيلة الخلاص، بل نتيجة له. فهي ليست الجذر بل الثمرة. فنحن لا ننال الخلاص بسبب الأعمال الصالحة بل لأجا أن نقوم بالأعمال الصالحة. هذا هو الغرض من خلقنا في المسيح يسوع. فقد أعد الله أعمالًا صالحة قبل أن ننال الخلاص، لكي نتممها في حياتنا كمؤمنين. فعبر القرون، ارتكز ملايين الناس بنعيم الأبدية على صدق الله في هذه الآيات، ولم يحبط واحد منهم أو يفشل في الوصول إلى السماء في النهاية.