دورة: اسماء الله

الدرس: الدرس الأول: إلوهيم - الله

>


إِلوهيم – ﷲ – אלהים
أعمال ﷲ
سفر التكوين الأصحاح ١ و ٢
«في البَدءِ خَلَقَ ﷲ – إِلوهيم – السَمواتِ والأرض…».
إنه لمن الصعب لعقولنا المحدودة فهم طبيعة ﷲ الأزلي ة وغير المحدودة، لكن على الرغم من أننا لا نستطيع رؤية شخص ﷲ – لأنه غير مرئي، إلا أنه يمكننا أن نرى عمل يديه الذي هو عبارة عن استعراض ثابت لحكمته وقدرته ومجده. يشرح لنا الرسول بولس هذه الحقيقة في رسالته إلى أهل رومية، «لأَنَّ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ تُرَى أُمُورهُ غَيْرُ الْمَنْظُورَةِ وَقُدْرَتُهُ السَّرْمَدِيَّةُ وَلاَهُوتُهُ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ» (رومية٢٠:١).
يمكننا البدء بمعرفة ﷲ ومعرفة صفاته من خلال ما نراه ونختبره من حولنا، فإن السماوات والأرض تُحدِّث دائمًا عن خالقها كما يشير الرسول بولس، ويتبع ذلك بقوله أنه ليس لدى البشر من رجال ونساء أي عذر لعدم الإعتراف بوجود ﷲ بالرغم من أنهم أنفسهم بشر مخلوقون، كما ويرفض الكثير من الناس القبول أو التسليم لقدرة ﷲ المُحيطة بهم والتي تشملهم.
إن الإسم إِلوهيم «אלהים» هو الإسم الأول والعام لأسماء ﷲ في الكتاب المقدس وقد تم استخدامه ٢٥٥٥ مرّة، منها٢٣١٠ مرّة لوصف الإله الحيّ الحقيقي، و٢٤٥ مرّة لوصف آلهة وبشر آخرين – أي الأصنام – فإن سفر التكوين٢:٣٥ وسِفر القضاة وسِفر الخروج٨:٢٢ كلها تتكلّم عن ﷲ الحقيقي (خروج١:٧). إنّ كلمة إِلوهيم مشتقة من الكلمة العبرية «قُدرة»، ولكن عند الإشارة إلى ﷲ، فإنها تُعبِّر عمّا هو أعمق بكثير مما توحيه هذه الكلمة وحدها. وكما وصف موسى لشعب إسرائيل بجدارة ما عرفه عن ﷲ فإنه يلخِّص سيادته وسلطته المطلقة بالآية: «لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكُمْ هُوَ إِلهُ الآلِهَةِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ الإِلهُ العَظِيمُ الجَبَّارُ المَهِيبُ…» (تثنية١٧:١٠).
ثمة ألقاب مماثلة لله تشمل «אלהים إِلوهيم و אל إيل» مسجّلة أساسًا في الكتب الشعرية، مثل سفر أيوب والمزامير، وفي مجموعة ألقاب ﷲ، على سبيل المثال: «إيل رُئي، אל רואה» ﷲ الذي يرى، (تكوين١٣:١٦)، «إيل إلوهي يسرائل אל אלוהי ישראל» إيل إله إسرائيل، (التكوين٢٠:٣٣)، «إيل بيت إيل، אל בית אל» إله بيت إيل، (التكوين٧:٣٥).
إنّ كلمة إِلوهيم هي في صيغة الجمع لأنه لا يمكن للتسمية بالمفرد أن تُنصِف عظمة ﷲ اللامتناهية، إنه الكائن الأسمى والقادر على كل شيء الذي باستطاعته عَمل كل شيء سواء كان في السماء أو على الأرض أو تحت الأرض. كان أيوب قد قال: «فَاعِلُ عَظَائِمَ لاَ تُفْحَصُ وَعَجَائِبَ لاَ تُعَدُّ» (أيوب١٠:٩). لقد بدأت هذه العجائب بخلق ما يختص بالعالم المادي، «مَبَادِئُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ حِينَ خُلِقَتْ يَوْمَ عَمِلَ الرَّبُّ الالَهُ الارْضَ وَالسَّمَاوَاتِ» (تكوين٤:٢). يقترح بعض المفسرين أنه يمكن رؤية الإسم «إِلوهيم אלהים» كدليل على تعدد أقانيم اللاهوت. ثالوث ﷲ الآب وﷲ الإبن وﷲ الروح القدس. لقد قال إِلوهيم: «نَعْمَلُ الإنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا» (تكوين٢٦:١).
مزمور١٠٤
«هَلُمَّ انْظُرُوا أَعْمَالَ ﷲِ. فِعْلَهُ الْمُرْهِبَ نَحْوَ بَنِي آدَمَ» (مزمور٥:٦٦)
في حين يتم عرض حقائق الخلق في الأصحاحات الأولى من سفر التكوين، فإن النصوص الشعرية للخلق توجد في المزامير والأمثال وسفر الجامعة وأيوب. تلك الصور المجازية تسطع بالحيوية والطاقة في الخليقة، إنها تزودنا ببصيرة فريدة من نوعها عن فكر وقلب ﷲ الذي يخلق ويستخدم الطبيعة ويسيطر عليها لنفسه. ففي مزمور١٠٤ نراه متسربلاً بالنور، السُحُب مركبته ويمشي على أجنحة الريح. ففي مجد وعظمة الخليقة نرى باستمرار مجد وجلال ﷲ.
تنعكس هذه العلاقة المستمرة مع الكون في الطريقة التي تستجيب بها الطبيعة لإرادة ﷲ – فالمياه لا تتعدى حدودها، والأمطار تحيي الأرض، والقمر والشمس يحافظان على الزمن المخصّص لهما.
 كما ونرى خير ولطف الخالق في إمداد البشر والحيوانات بالقوت اليومي. فالينابيع في الوديان والعشب للماشية والأشجار للطيور، والليل للأسود، والنهار للإنسان وعمله، كل هذه المظاهر تُثْبِت إهتمام ﷲ الدائم لتلبية إحتياجات مخلوقاته الأكثر تواضعًا. «كُلُّهَا إِيَّاكَ تَتَرَجَّى لِتَرْزُقَهَا قُوتَهَا فِي حِينِهِ» (مزمور٢٧:١٠٤).
هذا هو ﷲ «إِلوهيم القدرة» فلا عجب أنَّ كاتب المزامير إستطاع القول: «أُغََنِّي لِلرَّبِّ فِي حَيَاتِي. أُرَنِّمُ لإِلَهِي مَا دُمْتُ مَوْجُودًا، فَيَلَذُّ لَهُ نَشِيدِي وَأَنَا أَفْرَحُ بِالرَّبِّ» (مزمور٣٣:١٠٤-٣٤).
السَّير مع ﷲ  أخنوخ؛ تكوين٢١:٥-٢٤؛ عبرانيين٥:١١-٦؛ يهوذا١٤-١٥
«وَسَارَ أخْنُوخُ مَعَ ﷲ بَعْدَ مَا وَلَدَ مَتُوشَالَحَ ثَلاثَ مِئَةِ سَنَةٍ» (تكوين٢٢:٥).
على الرغم من أن ﷲ إله عظيم ومهوب وهو خالق وحافظ كل الأشياء، فقد تطلَّع لرفقة آدم وحواء، الرجل والمرأة اللذين خلقهما على صورته، ولكن سرعان ما فسدت هذه العلاقة، فالخطيَّة والعصيان إضطّرته لطردهم من حضرته المقدسة وإخراجهم من الجنة مع أنه لم يمنع عنهم عنايته المستمرة (تكوين٨:٣-٢٤، ٢٥:٤)
بعد مرور سبعة أجيال منذ خلق آدم، عندما كان العالم لا يزال حديثًا، مُنِحَ رجلٌ آخر إمتياز السير مع ﷲ، كان إسمه أخنوخ. إنّ النَّص الذي يرويه سفر التكوين عن أخنوخ وجيز ولكنه مفيد. فقد ذكر الوحي مرتين حقيقة سيره مع ﷲ عندما قال: «وَسَارَ أخْنُوخُ مَعَ ﷲ». لقد سار أخنوخ جنبًا إلى جنب مع ﷲ يحدِّثه ويناقشه، وقد كانت متعتهما متبادلة، وكانت مجالات الموضوعات التي ناقشاها معًا كثيرة. لقد كانت بالنسبة لأخنوخ مسيرة حياة استمرت لمدة ٣٠٠ سنة على الأرض وبعد ذلك استمرت إلى الأبدية. بعد ذلك «لَمْ يُوجَدْ لأنَّ ﷲَ أخَذه». إن مسيرة أخنوخ المستمرة مع ﷲ قادته ليس إلى الموت ولكن إلى نقلةٍ مباشرة إلى السماء.
ماذا كان سرّ حياة أخنوخ؟ لماذا استطاع الحفاظ على مثل هذه الرفقة الوثيقة مع ﷲ؟ إن الرسالة إلى العبرانيين ورسالة يهوذا تخبراننا أن السبب كان إيمان أخنوخ الذي أرضى ﷲ تمامًا مثل نوح الذي سار هو أيضًا مع ﷲ (تكوين٩:٦)، لقد عاش إيمانه الراسخ بوجود ﷲ وصلاحه، ذلك الإله الذي يكافئ الذين يحبونه بصدق ويخدمونه.
لقد كانت حياة أخنوخ الروحية تتناقض بشكل مباشر مع حياة الذين عاصروه آنذاك وكان قد تألم من أجل شهادته.
لقد مارس الناس العنف والشَّر الفعلي كما تحدُّوا ﷲ بشكل علني، وهكذا فقد كان العالم يسير بسرعة نحو حكم لا مفر منه، ألا وهو الطوفان (تكوين١١:٦-١٣).
قد نتساءل، لماذا يختار إله السماء والأرض «إِلوهيم» أن يسير معنا نحن البشر رجالاً ونساءً، وأن يكافئنا ويكون صديقًا لنا؟ السبب هو أنه خلق الجنس البشري من أجل نفسه؛ ليعلِّمَنا ويرعانا ويُرشدنا بحكمته وفهمه وليتمتع برفقتنا. فأخنوخ الذي لم يكن نبيًّا أو ملكًا، ولا رجلاً عظيمًا أو متعلّمًا، لا نعرف عنه سوى أنه والد متوشالح، لكنه كان رجلاً بحسب قلب ﷲ، له إيمان راسخ وعلى استعداد دائم ليتعلّم، وحريصًا على الاستماع ورفيقًا حقيقيًّا لله «إِلوهيم» إذ يقول: «مَا أَكْرَمَ أَفْكَارَكَ يَا ﷲُ عِنْدِي! مَا أَكْثَرَ جُمْلَتَهَا! إِنْ أُحْصِهَا فَهِيَ أَكْثَرُ مِنَ الرَّمْلِ. إسْتَيْقَظْتُ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكَ» (مزمور١٧:١٣٩-١٨).
الإعلان عن ﷲ (ثيوس) في العهد الجديد (يوحنا١:١-١٤؛ كولوسي١٢:١-١٧؛ ٦:٢-١٠؛ عبرانيين١:١-٤)
«في الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللَّهَ. هَذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللَّه… وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدهُ مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا» (يوحنا١:١و١٤).
إن الكلمة اليونانية التي تعني ﷲ هي «ثيوس»، وفي الترجمة اليونانية للعهد القديم (الترجمة السبعينية) إستَخدَم المترجمون كلمة واحدة هي «ثيوس» لتنوب عن الكلمة العبرية إِلوهيم وعن كلمة يهوه – الرّب، فقد تمّ ربط قدرة وسمو إِلوهيم مع الإله السرمدي ذو الاكتفاء الذاتي. لقد استخدم كتّاب ومفسرو العهد الجديد أيضًا كلمة «ثيوس» ليؤكدوا ويعلنوا إسم وطبيعة وصفات ﷲ، على سبيل المثال:
«قُدْرَتُهُ السَّرْمَدِيَّةُ وَلاَهُوتُهُ (ثيوس)» (رومية٢٠:١).
«يَا لَعُمْقِ غِنَى ﷲِ (ثيوس) وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ» (رومية٣٣:١١).
«ﷲِ (ثيوس) خَالِقِ الْجَمِيعِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ» (أفسس٩:٣).
إن إلوهية المسيح هي بمثابة صخرة الأساس في الإيمان المسيحي، فالأعداد الأولى من إنجيل يوحنا تعلن عن هذه الحقيقة المذهلة بكل بساطة ويقين، «وَكَانَ الْكَلِمَةُ ﷲ» (إن اللّفظ كلمة استخدِم من قِبَل يوحنا ليعني الرَّب يسوع المسيح)، وبطريقة مشابهة فإن رسالة بولس الرسول إلى العبرانيين لا تترك لنا أي مجال للشك فيما يتعلق بإلوهية الرَّب يسوع المسيح، إبن ﷲ الوارث لكل شيء، خالق العالم، مخلِّص الخطاة، الجالس عن يمين ﷲ في السماء، كما ولم يحاول العهد الجديد أبدًا إثبات أن يسوع هو ﷲ، فإنه ببساطة يُدرِج الحقائق.
عندما كتب بولس إلى أهل كولوسي كان بحاجة إلى تصحيح التعليم الفاسد الذي كان يهدد إيمان المؤمنين والقائل بأن المسيح لم يكن سوى مخلوق. لكن بولس يأخذ قرّاءه إلى الكيان الأزلي حيث المسيح «فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أمْ سِيَادَاتٍ أمْ رِيَاسَاتٍ أمْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ» (كولوسي١٦:١). ثم كما هو الحال الآن، من الممكن لأفكار وتقاليد هذا العالم أن تشوه أفكارنا عن الرَّب بسهولة، ولذلك يُعلن بولس «فَإِنَّهُ فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ (Theotes) جَسَدِيًّا» (كولوسي٩:٢). إنّ الكلمة «لاهوت» تشير إلى الإلوهية المطلقة وليس إلى صفة من صفات ﷲ، بل إلى طبيعة ﷲ الأساسية. هذا هو ربُّنا يسوع المسيح، هذا هو الواحد الذي يمكن أن يُسدِّد لنا كل احتياجاتنا باكتفاء سواء في هذه الحياة أم في الحياة الآتية، لأننا «كاملون فيه».
لم يكُن بالإمكان معرفة ﷲ في العهد القديم إلاّ بشكل محدود، وعلى الرغم من أن رجالاً مثل أخنوخ وموسى قد حصلوا على إمتياز التحدث معه، إلاّ أنهما لم ينظرا وجهه أبدًا (خروج١٨:٣٣-٢٠). لكن عندما جاء الرَّب يسوع المسيح، الذي كان «…بَهَاءُ مَجْدهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرهِ»، فقد جعل من الممكن للبشر رجالاً ونساءً وأطفالًا أن يسمعوا كلام ﷲ ويروا أعماله ويلتقوا معه نفسه في شخص المسيح.
عندما طلب فِيلُبُّس من الرَّب أن يريهم الآب، قال له يسوع: «أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا هَذهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ! اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ أَرِنَا الآبَ؟» (يوحنا٨:١٤-١١).
في أحد الأيام مرَّ ﷲ من أمام موسى وأعلن عن إسمه «الرَّبُّ إلَهٌ رَحِيمٌ وَرَوْوفٌ بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الإحْسَانِ وَالْوَفَاءِ» (خروج٦:٣٤-٧). وفي يوم عندما كان يسوع يصلي لأبيه لأجل تلاميذه، قال: «وَعَرَّفْتُهُمُ إسْمَكَ…» (يوحنا٢٦:١٧)، ليس في الكلمات فقط، إنما بواسطة حياته وحبه وذبيحته وموته وقيامته، لقد جعل يسوع من الممكن للرجال والنساء أن يعرفوا ﷲ شخصيًّا، «ﷲ لَمْ يَرهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلإبْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ» (يوحنا١٨:١).