دورة: صراع المؤمن في مواجهة التجارب

الدرس: الفَصل الأوَّل - وجود الخَصْم

>


الفَصل الأوَّل – وجود الخَصْم
بعد فترة وجيزة من زواجنا، إنتقلتُ أنا وزوجتي للسّكن في ولاية تينيسي على بعد 500 ميل جنوبًا، وبعد فترة وجيزة من الإستقرار، زرعنا حديقة من الخُضار، ولأنني كنت أساعد كثيرًا في أعمال الحديقة عندما كنت شابًا، كنت واثقًا من أنّ محاولتنا الزراعية الأولى ستكون ناجحة. سار كل شيء على ما يرام حتى جاء صباح أحد الأيام عندما خرجت لتفقُّد الحديقة، فرأيت أن مُعظم نباتات الطماطم المزروعة حديثًا قد قُطعت إلى مستوى الأرض. بدا الأمر كما لو أن شخصًا ما قد قطعها عن عمد بسكين! لم يكن لدينا أي فكرة عما حدث.
عندما توجهت لإستشارة الرجل المسن الذي كان يعيش في الجوار حول ما ألمّ بنا، قال: «أوه، إنها الدودة القارضة». ولكوني جديد في تلك المنطقة، لم أسمع أبدًا بالديدان القارضة من قبل، لكن جارنا أخبرنا بما علينا القيام به، وأرشدنا بأن نربط غُصين من شجرة قريبة إلى ساق كل نبتة جديدة تنبت. وأوضح لنا أن على الدودة القاضية أن تلفّ نفسها تمامًا حول ساق النبات لكي تتمكن من قطعها، لكنها، بوجود الغصين الموصول بالسَّاق، لن تستطيع أن تقوم بهذا الأمر. وفقط بعد أن اتبعنا نصيحته، تمكّنا من حل المشكلة.
لو كنا قد علِمنا بالديدان القارضة مسبقًا وبطريقة تمنعها من قطع نباتاتنا لكُنّا قد اتخذنا التدابير اللازمة مسبقًا لمنعها من التدمير، لكننا لم نكن على علم بالعدو بتاتًا. إنّ عدم إدراكنا لوجود العدو يجعلنا أكثر ضعفًا دائمًا.
لقد اختبر الرسول بطرس هذه الحقيقة جيِّدًا، لأنه (والتلاميذ الآخرون) قد «غربَلهم» الشيطان (لوقا٣١:٢٢) واستسلموا لإغراء العدو. ولا عجب أنَّ بطرس كَتَب بوضوح شديد عن هذا العدو في رسالته الأولى.
«أُصْحُوا وَاسْهَرُوا. لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ. فَقَاوِمُوهُ، رَاسِخِينَ فِي الإِيمَانِ، عَالِمِينَ أَنَّ نَفسَ هذِہِ الآلاَمِ تُجْرَى عَلَى إِخْوَتِكُمُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ» (١بطرس٨:٥-٩).
يقول الرسول بطرس لقرائه في العدد الذي يسبق العددين السابقين (1بطرس٧:٥) بأن يُلقوا كل همّهم على الرَّب ويعتمدوا عليه تمامًا. ولكن، حتى لا تكون هناك مفاهيم خاطئة، يذكِّرنا بطرس وبسرعة في العدد 8 أنه بينما يجب علينا الاعتماد على ﷲ، فإننا لا نزال نحمل بعض المسؤولية، فالحياة المسيحية ليست حياة سلبية. يوجد لدينا دور نقوم به، بل ولدينا أيضًا خصم – أي الشيطان – الذي سيصرفنا عن  تحمُّل تلك المسؤولية. لذلك، يجب أن يكون كل مؤمن قادرًا على التعامل بفعالية مع هذا الخصم العام.
يبدو في هذا العالم المعاصر، أن معظم الناس يعتبرون أن تصديق وجود الشيطان هو أمر من الطراز القديم، فوفقًا لِ«مجموعة بارنا للأبحاث» «Barna Research Group»، يَعتقد 60٪ من الأميركيين البالغين أن الشيطان هو مجرد رمز للشَّرور. قد تبدو نسبة ال٦٠٪ غير مقلقة بالنظر إلى عدد الأشخاص غير المؤمنين في أمتنا، لكن، إذا أخذنا بعين الإعتبار هذه الإحصائية المقلقة التي نتجت عن مجموعة بارنا الأبحاث، أن من بين الأشخاص الذين أعلنوا بأنهم مؤمنون مولودون ولادة ثانية، قال 43٪ منهم أنّ الشيطان ليس حقيقيًّا، وهو مجرد رمز للشَّر. إذا كنا أكثر عرضة للخطر عندما نكون غير مدركين لوجود العدو، ونحن كذلك بالفعل، فلا عجب إذن أن يسعى الشيطان إلى تمويه وجوده. وكما يبدو، لقد نجح بعمل ذلك بالفعل.
أتساءل إذا تقدّمنا خطوة إلى الأمام، كم من بين الذين يأخذون وجود الشيطان بجدية يعترفون أيضًا بنشاطه. وبعبارة أخرى، ما مدى جديتنا بشأن المعركة الروحية التي يواجهونها؟ منذ سنوات، قال أ. و. توزِر: «لقد قَبِلَتْ الأغلبية العظمى من المؤمنين الآن وبشكل عملي هذا العالم كميدان للّعب وليس كميدان للمعركة». أليس هذا هو الحال وبشكل خاص اليوم؟ فنحن نرغب بأن تكون الحياة ملعبًا ولذلك نحاول أن نجعلها كذلك. لكن، في الواقع، إنّ الحياة المسيحية مختلفة عن ذلك تمامًا، فهي ميدان للمعركة.
تمرَّد الشيطان على ﷲ منذ قبل خلق الإنسان، فأغوى آدم وحواء وحاول أن يهزم أيوب، كما أنه حاول إقناع الرَّب يسوع المسيح بإرتكاب الخطيَّة، وحفَّز بطرس على إنكار معرفته بالرَّب وأوحى ليهوذا بأن يخون الرَّب. يؤكد لنا الكتاب المقدَّس مرارًا وتكرارًا على حقيقة الشيطان والخطر الذي يمثله ضدَّ كل مؤمن بالرَّب يسوع. إنَّ خصمنا حقيقي بلا شكّ، فمن الضروري ومن أجل سلامتنا الروحية أن ندرك عداءهُ لنا، وأن نشارك في المعركة الروحية مشاركة فعّالة. إنَّ الشَّيطان يقف ضدّ كل ما نؤمن به، ومن المؤكد أنه سيحاول إلحاق الهزيمة الروحيَّة بنا وسلبنا فرحنا وشهادتنا. ينبغي أن نأخذ تهديده على محمل الجد وأن نقاومه. هذا هو التحذير الرسمي الذي يعطيه لنا بطرس في ١بطرس٨:٥-٩، فنحن كمؤمنين، لدينا خصم يجب أن نأخذه بعين الإعتبار.
إنّ حقيقة وجود مثل هذا العدو الذي يواجهنا بمعارضته المستمرة تُنبِّهنا إلى بعض المفاهيم الواقعية التي يُثيرها بطرس.
﴿ نحن في خطر ﴾
إننا نحتاج في البداية إلى إدراك واقع أننا في خطر، فالشيطان بطبيعته خصم خطير شرير، شَرِس وقاسٍ. ففي هذا الصَّدد، يُشبِّه بطرس الشيطان بأسد زائر يبغي قتل فريسته وابتلاعها، والشيطان لا يضمُر للمؤمنين سوى النوايا السَّيئة، فهو سَيَلْتَهِم كل واحد منا لو استطاع لذلك سبيلًا. يستخدم بطرس مصطلحين تصويريين وتشبيهًا واحدًا من مملكة الحيوان لوصف الخطر الذي نواجهه:
خَصْم
لاحِظْ أن بطرس يدعو الشيطان بكلمة «خَصْمَكُمْ» (عدد8). لقد استُخدمت كلمة «خَصْم» في العصور القديمة للإشارة إلى الخَصْم المقابل في الدعاوى القضائية، أي الشخص الذي يتَّخذ موقف المعارض. وبالمثل، فإن الشيطان هو خصمنا. إنه يقاوم كل ما هو صالح وكل ما هو صحيح ويقاوم ﷲ وأتباعه. إنه الخصم الرُّوحي لكل مؤمن. وكما قال أدريان روجرز: «إنْ كنت تغرق في الرمال المتحركة فسيأتي الشيطان ويضربك على رأسك بكل تأكيد».
مُخادِع
لاحظ أيضًا أنّ الشيطان خدَّاع في نهجه، وبطرس يشير إلى ذلك عند إستخدامه كلمة «إِبْلِيسَ» (عدد8) التي تعني «المُشتكي». إنّ الإسم العبري لكلمة شيطان يحمل نفس المعنى الأساسي. إنه مخادع وكذَّاب. لقد دعاه الرَّب يسوع بِ «أَبُو الْكَذَّابِ» (يوحنا٤٤:٨). إنّ طبيعته المخادعة كانت واضحة منذ البداية، ففي سفر التكوين٤:٣ شكَّكَ بالتحذير الذي به حذَّر ﷲ آدم بشأن الثمرة المحرَّمة، قائلاً لحواء: «لَنْ تَمُوتَا!». إنه يُسرّ في تشويه الحقيقة، وإذا أتيحت له الفرصة فستراه يشوِّہ كلمة ﷲ ويخدَع البَشر. هذه هي الطريقة التي يخدع بها الناس ليقوموا بعمل ما لا يفعلوه عادة.
من المحتمل أن تكون قد تعرفت على شخص يبدو بأنه يحب الرَّب، لكنه في يوم من الأيام فعل شيئًا كان يتعارض تمامًا مع كل ما اعترف به. وأثناء مراقبتك للموقف، من الممكن أنك تساءلت: «لماذا فعل ذلك؟» أو ربما: «كيف حدث ذلك؟» أو من المحتمل أن تكون قد واجهت شيئًا مماثلاً في حياتك. ربما قلت في ذاك الوقت أو في وقت آخر لنفسك: «لماذا فعلت ذلك؟» أو «كيف تمكنك من قول ذلك؟». ألم يحدث هذا لأننا إستمعنا إلى أكاذيب الشيطان الخادعة؟ لقد شوَّہ الشيطان ما قاله ﷲ وأنصتنا إليه، وقال لنا أن ﷲ غير عادل معنا فاستمعنا إليه، وقدَّم لنا ذريعة تُبرِّر لنا العمل الذي قمنا به، وأخبَرَنا بأنه ليس من الخطأ ثني القواعد قليلاً. إن أساليب الخداع التي يستخدمها كثيرة، لكنه العقل المدبر وراء كل تبرير للخطيَّة. فعند حلول الوقت الذي نرتكب فيه الخطيَّة، نكون قد أصبحنا مقتنعين، ولو للحظة فقط، بأنها مبرَّرة.
عدوّ خبيث
هنالك قصد خبيث وراء كل إتهامات الشيطان المُخادعة. إنّ الشخص الخبيث يسبب الضرّر المقصود، والشيطان يحاول إيذاء المؤمنين مع سبق الإصرار. نرى هذا في المقارنة التي يستخدمها بطرس حيث يقول أنّ خصمنا «كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ».
أخذ الكثير من مُفسِّري الكتاب المقدَّس دراسة تشبيه الأسد الزائر الذي يتكلَّم عنه بطرس بطريقة خاطئة وذلك عند تفكيرهم بالأسود المستخدمة في حلبات القتال. ففي أوقات الإضطهاد الروماني، وضع الرُّومان المؤمنين في الحلبة وتركوا الأسود يفترسونهم بهدف تَرفيه الجمهور. وهكذا يُفترض أن الإضطهاد المستوحى من الشيطان يصوَّر في هذا العدد. وأغلب الظّن أيضًا أنه نظرًا للكثير الذي كتبه بطرس عن الآلام في رسالته الأولى، يتوجب هنا أخذ هذا الشكل المعين من العذاب بعين الإعتبار. لا شك أن أوقات الإضطهاد والآلام مستوحاة من الشيطان بحيث يمكن وصفها بأنها أوقات يزأر فيها (الأسد) الشيطان ولكن هذا ليس المقصود هنا.
يصبح قصد بطرس واضحًا عندما نفهم طبيعة الأسد. إنّ زئير الأسد هو إحدى الطرق التي يحدد بها إقليمه أو منطقته، بحيث يزأر الأسد المهيمن بفخر ليحذر الأسود الآخرين للبقاء خارج منطقته، فمن الممكن سماع زئيره عن بعد تسعة أميال تقريبًا. وعند أخذنا بعين الإعتبار أن موطن الأسود في زمن الكتاب المقدس كان في الشرق الأوسط، يمكننا أن نفترض بأن قرَّاء بطرس الأصليين كانوا على دراية بزئير الأسد وما يعنيه لهم، فقد كانوا يدركون في الأغلب أنّهم عندما يسمعون زئير أسد ما، فذلك إشارة إلى أن الأسد الذي يزأر هو الأسد المُهيمن، أي أقوى أسد في المنطقة. تجدر الإشارة إلى أن الشيطان، الملاك الساقط، لم يكن وحده في حادثة السقوط، فقد سقط معه العديد من الملائكة الآخرين، لكنه كان المحرِّض على التمرد، أي القائد. لذلك فإنّ وصف بطرس للشيطان بِ «أسد زائر» كانت طريقته في القول بأن الشيطان هو أقوى خصم لنا.
يصف بطرس الأسد الزائر كذلك بأنه يجول في منطقته، والأسد الذي يجول يطارد فريسته. عادة ما ينام الأسد ويستريح ما بين 19 إلى 20 ساعة كل يوم، ويقضي 4 إلى 5 ساعات في البحث عن الطعام. إنّ الأسد يصطاد ويأكل وينام ثم يكرر ذلك كل يوم. يكون الأسود في قمة السلسلة الغذائية، وليس لديهم أعداء طبيعيون. يزن الأسد حول المئتين وخمسين كيلو غرام، ويبلغ إرتفاعه من عند الكتف ما يقارب الأربعة أقدام، ويمتد طوله من الأنف إلى الذيل حوالي التسعة أقدام. إنّه قوي بما يكفي للإنقضاض على جاموس ماء وحمار وحشي كامل النمو وقتلهما بسرعة وسحبهما إلى منطقته.
تُعتبر الأسود آلاتٍ للقتل، فهم يعيشون لتناول الطعام، ويستهلكون ما يصل إلى الخمس وثلاثين كيلو غرام من اللحوم في الوجبة الواحدة. وعندما يقول بطرس بأن الشيطان يُشبه الأسد الزائر الذي يجول ملتمسًا ما ليبتلعه، فهو بذلك يرسم الصورة الأشد قسوة للعدو الذي نواجهه والعازم على تدميرنا، فهو «يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ». إنّ الكلمة اليونانية المترجمة بِ «يَبْتَلِعُ» تعني «أن يفتك بِ». يا لها من صورة بشعة، ولكن إذا رأيت أسودًا صُوِّرت في برنامج وثائقي وهي تلتهم فريستها، ستعرف كيف يبدو المنظر. سترى الأسود وهي مُغطَّاة بدم الحيوان الذي تلتهمه وكأنها شربت من دمه وتلطّخت به. هذه هي الصورة التي لدينا هنا عن نية عدونا! إنه متحمس لتدمير حياة الناس روحيًّا كتحمُّس الأسد وهو يلتهم فريسته. يا له من مُدمِّر خبيث!
إنّ ضرورة فهمنا للخطر الذي يواجهنا هو أمر إلزامي، ويتوجب علينا أخذ عدونا على محمل الجد أو سنصبح فريسة سهلة بالنسبة له. يجب أن نكون على علم بموقفه العدائي ومنهجه الإفترائي وقصده الخبيث إذا كنا نأمل بأن ندافع عن أنفسنا من هجماته.
﴿ نحن بحاجة للدفاع عن أنفسنا ﴾
إن الواقع الثاني الذي يجب أن ندركه يرتبط بالواقع الأول، وهو واضح كل الوضوح: إنّنا بحاجة إلى الدفاع عن أنفسنا بكل قوة ضدّ هذا العدو الخطير. لذلك يُحدِّد بطرس أساسيات الدفاع الروحيّ عن النفس في ثلاثة تحذيرات:
تجنب الإنشغال بالله
إنّ الكلمة المترجمة بِ«أُصْحُوا» تعني «كونوا واعيين»، أي عكس السُّكْر أو الثَّمالة. يستخدم بطرس هنا تشبيهًا كلاميًّا. فمن خلال إِخبار قرائه بأن يكونوا صاحيين، إنه يعني بأن عليهم ألا ينغمسوا في مُلاحقة الأمور الدنيوية أو أن يتشتتوا ويلْتهوا لدرجة عدم إدراكهم لوجود العدو. فمن السهل جدًّا التركيز على الضروريات العملية للحياة اليومية إلى حدّ التَّشتُّت روحيًا، كالغزال الذي يرعى مُرَكِّزًا بشدة على قضمته التالية غير واعٍ إلى الأسد الذي يقترب منه.
إسْهَرُوا
يُتابع بطرس قائلاً بأننا نحتاج أيضًا إلى أن نكون «ساهرين»، أي يقظين، ليس جسديًّا بقدر ما يعني يقظين روحيًّا. يبدأ السهر الروحي بالدوام على حياة الصلاة، فقد علَّم الرَّب يسوع تلاميذه بأن يصلُّوا لتجنُّب التجربة قائلاً: «لاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ، لكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ» (متى١٣:٦)، كما حذَّر بطرس ويعقوب ويوحنا في بستان جثسيماني في الليلة التي سبقت صلبه (الليلة التي أنكره بها بطرس وتركه الآخرون) وقال: «إسْهَرُوا وَصَلُّوا لئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ» (متى٤١:٢٦). ولهذا، يتطلب منا السهر أن نتوقع التجربة ونجعلها موضوعًا للصلاة للنجاة من التجربة.
بالإضافة إلى الصلاة، على المؤمنين أن يكونوا متيقظين طوال حياتهم، فالدفاع الحقيقي الوحيد الذي تمتلكه فريسة الأسد هو اليقظة. يستطيع كل حيوان عرضة لإفتراس الأسد أن ينجو منه بالركض لمسافة طويلة. ولذلك، فإن طريقة الأسد للقبض على فريسته هي تعقُّب ضحيته خلسة. إنّ الأسود تصطاد في الليل، فعيونهم مناسبة للرؤية في الظلام، وهو يشبه قطة المنزل التي تربض بإنحناء وتتحرك ببطء لإصطياد الفأر أو العصفور، ومثلها يتسلل الأسد عبر الأعشاب الطويلة في الظلام مقتربًا من هدفه نحو خمسين قدم أو ما يقارب ذلك، وبعدها ينطلق بسرعة تصل إلى خمسين كيلومتر في الساعة، ويمسك بفريسته سريعًا قبل أن يتسنى لها الهروب. وفي الوقت الذي يكشف فيه الأسد عن نفسه لفريسته، يكون قد فات الأوان. إنّ الدفاع الوحيد الذي يمتلكه الغزال أو الحمار الوحشي ضد مثل هذه التكتيكات هو أن يكونا في حالة تأهب كافية تمكِّنهما من أن يلمحهُما الأسد قبل أن يهاجم.
الشيء نفسه ينطبق على صراعنا ضدّ الشيطان، فدِفاعنا يعتمد أيضًا على يقَظتنا. صحيح أنَّهُ ليس بإمكاننا رؤية الشيطان لأنه كائن روحي، لكن يمكننا بالتأكيد التَّعرف على إغرائه لنا بالتّجربة عند حدوثه. لذلك يجب توخي الحذر من الموقف أو الظرف الذي أمامنا. فإذا علمنا أن بعض المواقف تؤدي، في كثير من الأحيان، إلى التجربة في حياتنا، فسنحتاج إلى تجنُّب تلك المواقف. وإذا كان هناك مكان يؤدي تواجدنا فيه إلى وقوعنا في التجربة، فسنحتاج إلى الإبتعاد عنه. وإذا كان هناك أشخاص معينون يتسببون في سقوطنا في التجربة، فعلينا أن نبتعد بأنفسنا عن هؤلاء الأشخاص. فمن الناحية العملية، هذه هي الطريقة التي نكون فيها متيقِّظين.
كُنْ راسخًا
بالإضافة إلى الصَّحو والسهر، هناك مَطْلب آخر فعَّال في الدفاع عن النفس.  يقول بطرس فيما يتعلق بالعدو، أنه يتعين علينا أن نكون «رَاسِخِينَ فِي الإِيمَانِ». ويقول يعقوب: «قَاوِمُوا إِبْلِيسَ فَيَهْرُبَ مِنْكُمْ» (يعقوب٧:٤). كما يدلي بولس بتصريح مشابه: «إلْبَسُوا سِلاَحَ ﷲ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تَثْبُتُوا ضِدَّ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ» (أفسس١١:٦).
إنّ الكتاب المقدس واضح، فالأمر متروك لنا لإتخاذ موقف ضدّ العدو من أجل مقاومة إغراءات الشيطان. كيف يتم ذلك؟ لا يترك لنا بطرس مجالاً للتخمين ويقول أننا يجب أن نقاوم من خلال الثبات في الإيمان. إنّ الكلمة المترجمة «رَاسِخِين» تعني «الثبات»، مثل أساس مثبَّت غير قابل للنقل. بمعنى آخر، يجب أن يثبُت المؤمنون على أرض صلبة، وحقّ ﷲ هو تلك القاعدة الصلبة. لاحظ أيضًا أن مقاومتنا القوية يجب أن تكون «فِي الإِيمَان». نحن لا نقاوم بإيماننا، بل «فِي الإِيمَان»، أي بواسطة كلمة ﷲ.
تذكر أن الشيطان مخادع وكاذب ومُشتكي. إنه يجربنا بأن يشكِّكُنا في ما قاله ﷲ، ويحاول تحريف الأشياء بحيث تتداخل الحقيقة بالخطأ. وعندما ينجح، يصبح قادرًا على حثّ شعب ﷲ على فعل ما يتعارض مع إرادة ﷲ.
الحقيقة البسيطة هي أننا نقاوم الشيطان بتكريس أنفسنا للرَّب يسوع المسيح. يقلق بعض الناس للغاية بشأن الشيطان ويتحدثون عنه بإستمرار حول ما يفعله وكيف يُجرِّبهم. لكن الحقيقة هي أننا لسنا بحاجة إلى التركيز على الشيطان في حياتنا اليومية. في الواقع، ومن أجل جميع المقاصد العملية، لا نعرف يقينًا ما يفعله الشيطان أو ما لا يفعله، فكل واحد منا يُصارع أعداء عديدين، بما في ذلك رغباتنا الشهوانية وضغوطات العالم. إنَّ معظم الإغراءات تَحْدث دون تدخل شخصي من الشيطان. من ناحية أخرى، ولأن الشيطان هو سيد التمويه في نشاطه، قد نُفاجأ بمدى علاقته أو علاقة أعوانه بالإغراءات التي نواجهها. مع ذلك، ولأننا لا نعرف يقينًا إن كان متورطًا أم لا، فليس من الضروري تحديد التأثير الشيطاني المباشر. إنّ المهم هو التعرف على الإغراء أو التجربة عند حدوثها والتعامل معها. إذا ركزنا على كوننا مؤمنين مُتفانين، بأن يجاهد أحدنا ضدّ الإغراءات، ويسعى الآخر إلى العيش وفقًا لكلمة ﷲ، فإننا بالتأكيد، بشكل مباشر أو غير مباشر، نقاوم الشيطان.
﴿ خاتمة ﴾
إنّ رسالة بطرس، 1بطرس٨:٥-9 هي ببساطة ما يلي: لدينا خَصْم، والخطوة الأولى التي يجب أن نأخذها في الحسبان هي أن ندرك أننا في خطر. والخطوة الثانية هي أنْ نُطبِّق دفاعًا فعالاً، فنحن ببساطة لا يجب أن نُأخذ على حين غرّة عندما تكون دفاعاتنا الروحية في هبوط، غير منتبهين وغير مستعدين.
﴿ لمزيد من التفكير ﴾
1. لماذا تُعْتَبر معرفة العدو مهمة جدًّا؟
2. كيف نعرف أن الشيطان حقيقي؟
3. كيف نبيِّن في تصرفاتنا أن العالم هو ملعب وليس ميدان معركة؟
4. ما الذي يجعل من الشيطان تهديدًا لنا بحسب شخصيته؟
5. بشكل عام، ما الذي علينا فعله لحماية أنفسنا من أي هجوم شيطاني؟