عملت ما عندها !

عملت ما عندها!

نقرا مقطع من الانجيل بحسب البشير مرقس والفصل 14 من عدد 3-9

نجد في هذه القصة درسا مفيدا لحياتنا يجدر بنا الانتباه له، ولكن ابدأ بمقدمة عن الوضع الذي جرت فيه القصة:

مقدمة: المكان بيت سمعان الابرص! نعم سمعان كان ابرصاً وقد شفي، ولكن مجرد اللقب "سمعان الابرص" يدلنا على انه كان منبوذا ويبتعد الناس عن بيته، ولكن بسبب دخول يسوع الى بيته، وهو المعلم، شجع الناس بان يدخلوا هم ايضاً ورائه. يتكئ يسوع في مكان مرموق وقد كان محط ابصار جميع المجتمعين في البيت لانهم لهذا تبعوه. لكي يسمعوه وربما يحالفهم الحظ ليروا اعجوبة تجري على يديه.

المرأة والقارورة: دخلت وسط الرجال، وقامت بما قامت به بدون استأذان أو أعتذار، عملت ذلك بكل جرئة مدهشة، لقد سلبت انتباه الجمهور بدون أن تدري ذلك او تقصده واصبحت محط الانظار من تللك اللحظة بسبب ما عملته، وبيقين من ثقتها انها تعمل ما هو مناسب، كسرت القارورة ولم تفتحها لكي لا يكن بالامكان اعادة اي عطر الى داخلها بالاضافة الى انها لم يعد لزوما لاستعمالها بعد اليوم. ونلاحظ ان المرأة لم تعمل حسابا لاي شخص سوى واحد وهو الرب الذي احبته من كل قلبها والذي صار الغالي رخيصا في سبيل حبها له. لقد سكبت الطيب على راسه المجيد الوقور. ففاحت رائحته لتملأ المكان واشتمه الجميع. ففاحت رائحة حبها الصادق من المخلوق للخالق الذي احبها وما زال ذلك العطر يفيح. بعمل أمراة مكرسة كاملا لمن احبت، الرب يسوع. بعد ان تم لها ما ارادت من تنفيذ لعمل التفاني للرب، جلست لتلاحظ وتسمع الكلام والتعليقات المختلفة وتعليق الرب على فعلها، ولكنها لم تبالي، لانها عملت ما عندها.

ردة الفعل عند الحضور: اغتاظوا في انفسهم بسبب سكب الطيب كله على راس الرب يسوع. قالوا: "لماذا كان تلف الطيب هذا؟" في نظرهم كان سكب الطيب على راس الرب الحبيب اتلاف غير مقبول ولا يُرضى عنه. لقد بدأوا يحسبون القيمة المالية التي لهذا الطيب المَسكوب. قالو ان ثمنه 300 من الفضة وهذا مال كثير جدا. بينما ثمّن الجمهور قيمة نفس الرب يسوع ب 30 من الفضة فقط. اي حسابات غير عادلة يقوم بها الانسان؟ لقد قال الرب يسوع في قيمة الانسان ما يلي: "ماذا ينتفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه واي شيئ يعطى فداءاً عن نفسه؟" اي ان قيمة النفس البشرية اثمن من كل العالم. فكم بالحري قيمة نفس الرب يسوع؟

رد فعل الرب: قال "اتركوها"، لا تزعجوها، لا تعكروا صفو افكارها وتأملها وتفانيها. ان ما عملته كان حسناً في نظري. الفقراء دائما سيكونون معكم ولكن انا ساترككم بالجسد ولا يمكن عمل هذا لي فيما بعد. عملته ليوم تكفيني، وكانه يقول انها عملت هذا بدافع معرفتها بما سياتي على من موت ودفن لجسدي. هل تنبأت بما سيكون؟ لا، بل بارشاد الروح القدس عملت هذا الشيء ذا المغزى الرمزي لموته على الصليب ودفنه الذي كان عتيداً ان يحصل له. وقال ايضا انها عملت ما عندها. لم تكن معلمة ناموس ولا كاهنة ولا خادمة هيكل، لم ياتي ذكر لاي من هذه الاعمال التي كانت مقتصرة على الرجال. عمل النساء لم يكن ولا مرة واحداً من الاعمال العلنية امام الجمهور. لم ينسب اي من الاعمال لهذه المرأة سوى توبتها واتباعها ليسوع. وهذه الحادثة في دهنه بالطيب. لم تطلب او تسعى الى اكثر من التعبير نن حبها، وبصمت، وعملها كان مرفوضاً من الناس. لكنها من اجله عملت ما عندها. عمل الرب الذي سيذكره لنا ليس بالضرورة أن يكون بارزاً وكبيرا، يكفي ان يكون نابعا من قلب محب له.

المكافئة المستمرة: لقد كافئها الرب على عملها هذا لكي لا يُنسى بان قال انه سيُخبر بما فعلته هذه تذكارا لها.

امهات كثيرات ربين اولاد في الايمان وقضين السنين الكثيرة يعملن في صمت وكد وتعب وصبر، ومع هذا كان لتربيتهم الفضل في تاسيس ايمان ومحبة قويين في نفوس ابنائهم، الذين اختارو خدمة سيدهم بطرق مختلفة، فنجحوا، اوصلوا بشارة ومحبة المسيح لكثيرين من الناس فاصبحوا ابطالاً بسبب امهاتهم. كان وراء خدمتهم وعملهم ام مكرسةً تكرّست لهذا العمل المقدّس في رعاية ابنائها وارشادهم في طريق الرب وتعليمهم عن محبته وكلمته الثمينة والصلاة من اجلهم.

الله يبحث عن امهات يعملن بهدوء بعيدا عن الانظار والاضواء، ليستطعن تربية اولادهن افضل تربية، في مبادئ وتعليم كلمة الله المقدسة. هذا هو الاستثمار الحقيقي لكل أم وكل سيدة وكل فتاة. ما اروعهن من عنصر فعال صامت، في كنائسنا إن فعلن هذا. وكما قال المثل العالمي المشهور: "وراء كل عظيم، أمٌ مكرسة لابنائها".  بهذه الطريقة سيكون عطر الناردين الذي تسكبه كل أم فاضلة على اقدام السيد، يفيح الى زمان طويل جداً بواسطة تربيتهن لابنائهن. سوف يذكر ما تفعله كل منهنً طول الوقت الذي يكرز بالانجيل في هذه المعمورة.

ليمنحنا الرب هذا الحب له، رجالا كنا ام نساء، لكي نعطي ما عندنا بدون النظر حولنا، وبدون البحث عن الاضواء والشهرة والمال.

القرار

ها آتي بطيبـي فوق راسك          هبني الآن أعـرف حـق قـدرك

عوضاً عن شوكي في إكليـلك       واتكـئـن رأسـي على صـدرك

إذ كسرت قلبـك من أجلـي أنا      ها قارورة الطيب أكسـرها هـنا

عند قـدميـك وادهنـهـما       حيـث راحـتـي لا ولا عـنـا

لا يكن في قلبـي شريـك لك    لك كل حـبـي لـك وحـدك

ولينكسـر قلبـي ليشبـع قلبك     وكل شهـوتـي فـي مـجـدك

دعني أتلف نفسي عند قدميـك     وأحظـى دواماً بملء نـاظـريك

وأسعى ضعيفاً وأستنـد عليـك     حتى كل المجد يرجعـن إليـك

دعني أكرم اسمك وأرفعـه الآن         لئلا تمضي الفرصة وينتهي الزمان

فمريم وحدها قد فازت بالنيشان         وطيب المريمـات فـاتـه الأوان

بمحبة الفادي

اخوكم، ابو باسل