بطرس... اتحبني؟

لقد كان بطرس من أكثر التلاميذ تحمُّسًا واندفاعًا وفضولاً في علاقته مع الرب يسوع. صريحًا إلى أبعد الحدود. وما يفتكر به يقوله للفور دون قيود أو احتفاظ أو حتى تردُّد! فهو الذي أكّد ليسوع بأنه يحبُّه. ثلاث مرّات. وهو من أراد السير على وجه المياه العاصفة فقط لكي يكون بقرب الرّب. حاذيًا حذوه!

شخصيَّة بطرس مميَّزة جدًا ورائعة جدًا. تبثّ في ثناياها بساطة وعمق الإيمان. شوق الخدمة والإنطلاق. كإندفاعيَّة الطفل في حديقة الملاهي. والأهم من كل ذلك، التمسُّك القويّ بالرب!

يرى الكثيرون في إنكار بطرس ليسوع ضعف وخيانة وفشل! فقد تأمل الكثيرون في كيفيَّة إنكاره، بكلماته، بتحرّكاته، بنظراته. لكن أحدًا لم يفتكر فيما كان يجول في خاطر بطرس وهو يتلفّظ كلمات الإنكار المشهورة!

كثيرًا ما تدور الأيام بنا فنجد أنفسنا رُغمًا عنا ننجرف في تيار نهر المشاكل والصعوبات، فتجرفنا قوَّة المياه المتدافعة معها إلى حيث اللامكان. حيث الضّياع والتعب والألم والبكاء. مُدركين بذات الوقت أننا أولاد الرَّب! فتكون سقطتنا موجعة ومخيفة لدرجة تجعلنا معها ننظر إلى الوراء برعدة، ثم نلتفت للأمام فلا نرى سوى الضباب والفوضى. فوضى الحواس والفكر والقدرات. ولكن. برغم الكل. فإن عُمق المرء، إيمانه وعقيدته أبدًا لا يمكن هزّها طالما هي مرتكزة ومعتمدة على أساس متين. صخر الرّب يسوع!

صحيح أن بطرس أنكر الرّب. ربّما لأنه تواجد في المكان الخطأ والتوقيت الخطأ. وقت كان يغوص في دوامة التساؤلات وهو منذهل ومصدوم من واقع أن الرّب إلهه وسيِّده مُكبَّل أمامه ومُساق من بشرٍ قُساة بصمت! الإله ذاته الذي حرّر قيود وأطلق نفوس، هو ذاته الآن يرضخ لقوًى بشريَّة؟! وكيف يكون هذا؟!

وجد بطرس نفسه في صراع إحتدم ما بين إيمانه الثابت والراسخ على الرّب يسوع، وبين واقع وحقيقة تدور أمام نصب عينيه! فأين هو الصّواب؟ ربِّي وإلهي من سلّمتُهُ وائتمنته على حياتي، ها هو مقيَّد ومُكبَّل ومُحاكَم من الناس! أنا أومن به دون شك. ولكن. لماذا هو صامت؟ فإن صمت هو، ماذا لي أنا أن أقول؟ ماذا سيحلّ بي؟

كم من مرّةٍ واجهنا هذه العاصفة الهوجاء. هذا الصِّراع؟ نجد أنفسنا نغرق في بركة رمال متحرِّك حيث نغوص أكثر فأكثر. وكلّما قاومنا أكثر، كلّما نزلنا أعمق. فلا يسعنا سوى أن نصرخ طالبين المعونة باحثين عن اليد الوحيدة والشخص الوحيد الذي نُدرك بيقين كامل أنّه هو سندُنا وملجأنا دومًا وأبدًا. فنجده ولدهشتنا الكاملة. صامتٌ؟! فتختلج في فكرنا للحال تساؤلات. فنحن نراهُ صامتٌ في العيان، لكن يقيننا يُعلن لنا أنّه هو الإله الحيّ والملجأ الوحيد! فلماذا إذًا؟ ويعلو أنين السؤال في خضم المعركة. لماذا؟.

وبينما كان بطرس يتصارع مع هذا الفِكر، طُلب منه الحزم فورًا من قِبل الناس أن يعترف ويُعلن أنه كان مع الرب يسوع في خدمته المُتجوِّلة. فدون تفكير وباندفاعيّته المعروفة. يقول كلا. لا أعرفه! لم أكن معه! ثم يعود ليُفكر من جديد مع نفسه: "ولكنني أعرفه. فهذا إلهي.!" ثم يُعلن ثانية وثالثة. كلا، لا أعرفه. ويهرب بعدها بعيدًا ليبكي وينتحب بحرقة وأنين وندم. كيف لا أعرفه وهو الحبيب الغالي؟!

لماذا يُخيِّب بطرس آمالنا بينما نُجيب نحن تمامًا بذات الكلمات في العديد من المناسبات والمواقف في حياتنا؟

أنا أؤمن أن بطرس لم يُنكر يسوع في أعماقه أبدًا! لربما صراعه ما بين إيمانه وبين عيانه دفعه ليقول ما لا يريد. لأنه لا يفهم لماذا. لماذا يسوع يصمت؟! لماذا هو مُستسلم ومُساق؟ لماذا هو يتألِّم أمام عينيه وهو الإله العظيم المهوب؟!

ألم نتساءل في كثير من الأوقات باستنكار وغضب: "أين أنتَ يا الله؟ لماذا تسكت عن شعبك؟ لماذا تحجب وجهك عني؟ لماذا لا ترفعنا في الضيقة؟ لماذا تصمت؟ وكثيرًا ما نتفوَّه بكلمات حماقة بها نؤلم قلب الحبيب يسوع، لمجرّد أننا نتصارع في دوَّامة اليقين والعيان!

نؤمن أنه الإله الكلي القدرة، لكننا نرى العاصفة ونحياها. وهو صامت! أو هذا ما نعتقده نحن بأنه يصمت!

فكلنا نفعل تمامًا كما فعل بطرس، نُنكر يسوع عندما يحتدم الصِّراع ويتفاقم. كلنا نقول كما قال بطرس: "كلا، لستُ أعرفه!" والسؤال هنا، هل هذا حقيقة ما نعنيه ونقصده ونؤمن به؟ أحقًا لا نعرفه؟! كلا!

بطرس قال لا أعرفه لأنه بالحق إعتقد أنه لا يعرف هذا الشخص "العاجز" (حسب اعتقاده) المُكبَّل والمُقيَّد والذي لا حول له ولا قوّة! فهو يعرف الإله كليّ القدرة، هو يؤمن بيسوع إله المُعجزات والتحرير والشِّفاء. وليس بشخص صامت!

أنا أومن بإله جبّار. أعلى من كل شامخ، وأقوى من أي قويّ. فهل صمت يسوع بالنسبة لي هو ضعف إله؟ حاشا! بل هو حكمة عظيمة، خطّة فريدة، محبّة لا متناهية. تحرير كامل. فعندما نعتقد نحن بأنه هو صامتٌ، ذلك تمامًا عندما يكون صوته هو أعلى من المعتاد، وابتسامته أوسع ما تكون، وحضنه أدفأ من شعاع الشمس! فلمجرّد أننا لا نرى بالعيان هذه النِّعمة، لا يعني أنَّها غير موجودة! فليس كل ما نراه هو حقّ. المهم هو ألاّ نسمح لشيء يهزّ يقيننا وإيماننا. فلا يمكن لإله رائع، عظيم، حنون،ورحيم. أن يصمت أمام ألم ودموع أحبّائه. حدقة عينه.إنّه يتكلَّم. فهل من مُصغٍ؟!

كان يسوع يتكلَّم وهو مساق من بشر، فبصمته أعلن أسرار، بدمه. بجروحه. بآلامه. بموته وقيامته. كان ولا يزال أقوى حديث وأجمل إعلان. أعمق عزاء وأروع رجاء. فهو قريب لمن يرجوه ويطلبه وينتظره! لننظر إلى الرّب بالإيمان واليقين، وخاصّةً في أحلك الأوقات. عندما يُضلِّلنا العيان وتخدعنا الرؤية، لننظر باليقين ونتمسّك بالحق! نتمسّك بيسوع المسيح الإله الحق!

فإن سقطنا، بنعمته نقوم ثانية. فأين شوكتك يا موت؟! وأين غلبتك يا هاوية؟ لننهض كما نهض بطرس بعد أن أنكر يسوع، إذ وقف أمام الآلاف يوم نزل الروح القدس على التلاميذ في اليوم الخمسين (أعمال الرسل2) وأعلن يسوع على الملا بأنّه الرب والإله ومُخلِّص كل بشر. ومنذ ذلك اليوم وحتى ممات بطرس لم ينفك يُعلن هذا الحق والسلطان وهذه النِّعمة.

لنُخبر العالم على الدوام، لننهض في كل مرة نسقط فيها، ونُعلن بالسلطان المُعطى لنا:

"ليس لي فضّة ولا ذهب، ولكن الذي لي فإياه أُعطيك." (أعمال الرسل 3: 6)

منال عبدالله- خوري