دورة: المريمات الثلاثة

الدرس: الفصل الأول مريم أُمّ يسوع -إرسال الملاك من قِبَل ﷲ

>


مريم أُمّ يسوع – إرسال الملاك جبرائيل من قِبَل ﷲ
 (لوقا٥:١-٢٩)
قال أحدهم ذات مرة إن الأحداث المنعزلة كانت «مثل زيارات الملائكة» قليلة ومتباعدة. لكن في الأشهر التي سبقت ولادة الرَّب، ولفترة من الزمن بعد ذلك، كان هناك حضور وذهاب ملائكي كثير، كانت من أعظم الزيارات التي كُلِّف بها الملاك جبرائيل، الذي يعني اسمه «قوة ﷲ»، والذي نقرأ عنه أوّلاً في سفر دانيال (دانيال8: 15-16؛ ٢١:٩-22).
ظهر جبرائيل بعد ذلك في الهيكل في أورشليم ليخبر زكريا الكاهن أن زوجته ستُنجب طفلاً، (الذي هو يوحنا المعمدان، والذي أرسِل ليهيئ الطريق لمجيء المسيح). فعندما اعترض زكريا، بأنّهُ هو وزوجته أكبر من أن ينجِبا أطفالًا، قال له الملاك: «أَنَا جِبْرَائِيلُ الْوَاقِفُ قُدَّامَ ﷲ، وَأُرْسِلْتُ لأُكَلِّمَكَ وَأُبَشِّرَكَ بِهذَا» (لوقا١٩:١). إنَّ كرامة وسلطة الملاك تؤكدان على أهمية الرسالة وخطورة إعتراض زكريا وعدم إيمانه. سيولد الطفل، لكن الأب سيبقى صامتًا حتى ولادته (لوقا٢٠:١).
بعد حوالي ستة أشهر من زيارة جبرائيل للهيكل، أرسله ﷲ إلى مدينة الناصرة. لقد حان الوقت، وكان ﷲ على وشك إرسال إبنه، مخلص العالم، (غلاطية4:4). كانت إرسالية الملاك هذه إلى مريم الشابة العذراء المخطوبة لنجار يدعى يوسف.
لقد اضطربت تحية الملاك: «لاَ تَخَافِي يَا مَرْيَمُ، لأَنَّكِ قَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ ﷲِ!» فكرت مريم، لماذا أُبارك وأُعامَل بهذا التمييز؟ لم تكن تدرك أنَّ بها شيئًا خاصًا مثلما كان موسى، عندما انتهى من حديثة مع الرَّب، «لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ جِلْدَ وَجْهِهِ صَارَ يَلْمَعُ» (خروج٢٩:٣٤). إن انشغالها بالرَّب حفظها من خطايا الكبرياء والإعتداد بالنفس ومنحَ مريم تواضع الروح الذي كان بالتأكيد سبب رضى ﷲ منها وكذلك الذين حولها. «كِبْرِيَاءُ الإِنْسَانِ تَضَعُهُ، وَالْوَضِيعُ الرُّوحِ يَنَالُ مَجْدًا» (أمثال٢٣:29).
البيت في الناصرة (لوقا 1: 26-30)
لا يمكن أن يكون هناك تباين أكبر بين الأماكن التي أُرسِل إليها جبرائيل؛  مثلًا، الهيكل في أورشليم بالمقارنة مع منزل متواضع في مدينة الناصرة. كنا نتوقع الإهتمام بالمكان الأول، ولكن ليس بالأخير. ومع ذلك، فإنَّ مدى وأهمية أعظم رسالة أرسلت إلى البشرية على الإطلاق جاءت إلى إمرأة شابة، عاشت في سلام وهدوء في منزلها.
نحن، وبحقّ، غالبًا ما ننشغل برسالة الملاك؛ لكن ضع في اعتبارك المكان الذي وصلت إليه الرسالة. فإذا كانت مريم في المَجمَع أو الهيكل، فمن المؤكَّد أنَّهُ كان هناك أشخاص آخرون في المكان يتسببون في تشتيت الإنتباه؛ لكن في هدوء المنزل استطاع جبرائيل أن يهدئ فكرها ويخبرها بوضوح بما رتَّبه وقررهُ الله من خلالها. «لاَ تَخَافِي يَا مَرْيَمُ، لأَنَّكِ قَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ ﷲ».
كانت مريم على وشك أن تستلم خبر رحمة ﷲ ولطفه المُحبّ نحوها. مثل داود (شخص آخر وجد نعمة عند ﷲ -أعمال٤٦:٧) كان الرَّب هو الشخص الذي طالما كانت تتطلع إليه من أجل الحصول على المساعدة والإرشاد، «عَيْنَايَ دَائِمًا إِلَى الرَّبِّ» (مزمور١٥:٢٥)، لقد نمَّت مريم حضور الرَّب في بيتها وظروفها المتواضعة، وإلى هناك جاء جبرائيل، الذي أتى من محضر ﷲ (عدد 19)، وكان حُرًا ليتكلَّم.
نحن جميعًا مسؤولون، بدرجة أكبر أو أقل، عن الجو الروحي في بيتنا؛ ليتنا نكون مثل مريم ونُنمِّي حضور ﷲ من خلال الصلاة ودراسة الكتاب المقدس. حينئذٍ سنكون قادرين على اختبار حقيقة كلام داود: «تُعَرِّفُنِي سَبِيلَ الْحَيَاةِ. أَمَامَكَ شِبَعُ سُرُورٍ. فِي يَمِينِكَ نِعَمٌ إِلَى الأَبَدِ» (مزمور١١:١٦).
رسالة الملاك (لوقا٣١:١-37)
بعد أن أكد جبرائيل لمريم أنه ليس لديها ما تخافه، أخبرها، بكل بساطة، أنها ستنجب إبنًا، والذي سيُدعى اسمه يسوع (والذي يعني «ﷲ المخلص»). تهتم الأمهات دائمًا بصفات أطفالهن، وكان على ابْن مريم أن يحمل صفات المخلص ﷲ باسمه وشخصه (لوقا٤٧:١). «هذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ، وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ» (لوقا٣٢:١-33). سيكون الطفل فريدًا، إبن ﷲ، المسيح الموعود به لإسرائيل (قارن إشعياء٦:٩-7).
ردًّا على سؤال مريم «كَيْفَ يَكُونُ هذَا؟»، أجاب الملاك أن «اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ» (لوقا٣٥:١). سيكون لهذا الطفل حَمْلٌ فريد، لأنه لم يكن هناك شيء من الإنسان في تكوينه. «الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى إبْنَ ﷲ.» يتحدث كاتب العبرانيين عن الرَّب يسوع على أنه «قُدُّوسٌ بِلاَ شَرّ وَلاَ دَنَسٍ، قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ» (عبرانيين٢٦:٧) وهكذا كان وما زال وسيبقى إلى الأبد (عبرانيين٨:١٣).
لقد بدأت رسالة الملاك بكلمة تشجيع (عدد ٢٨)، وانتهت بنفس الطريقة: «لأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَى ﷲ» (لوقا٣٧:١). لقد جاءت الكلمة؛ كان ﷲ على وشك الظهور في الجسد، ليخلصنا، ومع ذلك يدرك ﷲ حاجة مريم. «كَمَا يَتَرَأَّفُ الأَبُ عَلَى الْبَنِينَ يَتَرَأَّفُ الرَّبُّ عَلَى خَائِفِيهِ.  لأَنَّهُ يَعْرِفُ جِبْلَتَنَا» (مزمور١٣:1٠3و14).
رد مريم (لوقا٣٨:١)
إنَّ إعلان ولادة المسيح لن يكون مفاجأة كبيرة لشخص مثل مريم. كان هناك كثيرون في إسرائيل يتوقعون مجيء المسيح، مثل، سمعان وحنة (لوقا٢٥:٢-38). ومع ذلك، من المهم ألا نقلِّل من مسؤولية مريم أو العار وسوء الفهم الذي سيصيبها. ستكون هدفًا لتجار الفضائح في المنطقة، ولفترة من الوقت على الأقل سيشعر الرجل الذي كان من المفترض أن يكون زوجها بضيق شديد (متى١٩:١). لا شك أنها كانت تعي جيدًا عواقب خضوعها للرَّب، ومع ذلك لم تتردد: «هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ».
أَمَةُ – جارية، معبرةً عن طاعتها لكلمة ﷲ.
فليكن لي – للتعبير عن خضوعها لإرادة ﷲ.
في هذه الإستجابة البسيطة، نرى التوازن المثالي للمرأة ذات التفكير الروحي. ربما كانت مريم شابة في السِّن والخبرة، ومع ذلك كانت رغبتها إرضاء ﷲ والسير في طرقه. كانت آفاقها محدودة – خطيبة نجار في بلدة صغيرة في إسرائيل – ولكن بسبب تقديرها العميق لشخص ﷲ وطرقه واستعدادها للإيمان به، فسيتم تحقيق رغباتها (مزمور٤:٣٧؛ ١١:٨٤). لقد اكتسبت مريم الكثير من المعرفة الروحية في المنزل؛ والآن يصادق ﷲ على ذلك، مدركًا ما كان في قلبها، في نفس المجال، في المنزل وتجربة الأسرة.
عندما كان بنو إسرائيل على وشك الدخول إلى أرض الموعد، قال ﷲ من خلال عبده موسى، «وَتَتَذَكَّرُ كُلَّ الطَّرِيقِ الَّتِي فِيهَا سَارَ بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ هذِہِ الأَرْبَعِينَ سَنَةً فِي الْقَفْرِ، لِكَيْ يُذِلَّكَ وَيُجَرِّبَكَ لِيَعْرِفَ مَا فِي قَلْبِكَ: أَتَحْفَظُ وَصَايَاهُ أَمْ لاَ؟» (تثنية٢:٨). لطالما كانت هذه طريقة ﷲ ليمتحن شعبه في حياتهم اليومية.
مقاطعة اليهوديّة الجبلية (لوقا1: 39-45)
كانت الكلمات الأخيرة التي وجهها جبرائيل لمريم عن نسيبتها أليصابات: «وَهُوَذَا أَلِيصَابَاتُ نَسِيبَتُكِ هِيَ أَيْضًا حُبْلَى بِابْنٍ فِي شَيْخُوخَتِهَا» (لوقا٣٦:١). لم يكن المقصود من هذا الإعلان مجرد إشارة وتشجيع، بل كان بمثابة توجيه لها. لقد تلقَّت مريم إعلانًا رائعًا من الرَّب. لقد اتَّخذت مريم خطوة الإيمان وكرَّست نفسها للرَّب تكريسًا تامَّا. الآن يجب عليها أن تفعل شيئًا، وأن تذهب إلى مكان ما، وفوق كلّ شيء، شخص ما تتحدث معه. من سيكون أفضل من أليصابات، المرأة التقية، المسِنَّة والتي هي نفسها نالت نعمة ﷲ وقوته؟ (لوقا٦:١ و 25).
أسرعت مريم وذهبت من الناصرة إلى جبال مقاطعة اليهوديّة، ربما فكَّرت بما ستقوله لأليصابات. هل ستفهم؟ لم يكن لدى مريم أية مخاوف. لقد حصلت نسيبتها على إعلان إلهي، وبمجرد أن طرحت عليها مريم التحيَّة، عرفت أليصابات أن أُم المسيح الموعود تقف أمامها، وحتى طفلها الذي لم يولد بعد كان على علم بالحدث، وبدَّدَت والدته الممتلئة بالروح القدس، أي مخاوف في ذهن مريم بترديد كلمات جبرائيل: «مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ» (لوقا٢٨:١-42).
يكشف لنا إعتراف أليصابات بمباركة مريم من الرَّب أنه لم تكن هناك غيرة في قلبها. لقد شعرت بسعادة غامرة لإستقبال مريم في منزلها، ولا شك أن الأشهر الثلاثة التي قضينها معًا كانت وقتًا حقيقيًّا للمساعدة والإستفادة لكليهما.
قد نقول «كم هو جميل أن يكون لديكِ صديقة مثل أليصابات»! أتمنى أن يسمح لنا الرَّب أن نكون صديقات مثل أليصابات! لقد أظهرت أليصابات قوة هذه العلاقة عندما استمعت إلى مريم ودعمتها في مثل هذا الوقت الخاص جدًّا، دون أي تلميح لأي من الحسد أو الإستياء. «اَلصَّدِيقُ يُحِبُّ فِي كُلِّ وَقْتٍ،» (أمثال17:17).وهناك في المناطق الجبلية في اليهودية، أُعطيَت مريم الرفقة التي تحتاجها، مع أن أليصابات اعتقدت إن كلّ البركة كانت من نصيبها هي، (لوقا٤٣:١).