دورة: بطرس والكنيسة

الدرس: الدرس الأول - سمعان بطرس والرب يسوع

>


سمعان بطرس والرَّب يسوع
«وَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْكَلاَمِ قَالَ لِسِمْعَانَ: «ابْعُدْ إِلَى الْعُمْقِ وَأَلْقُوا شِبَاكَكُمْ لِلصَّيْدِ» (لوقا٤:٥)
هذا ما قاله الرَّب يسوع المسيح لسمعان بطرس وشركائه. كان المسيح قد استعمل سفينة سمعان بطرس الصغيرة فأراد مكافأته على ذلك وكان بطرس وشركاؤه قد قضوا الليل كله يحاولون صيد السمك ولم يمسكوا شيئًا. والآن وفي وضح النهار نرى يسوع إبن النجار ومعلم الدين، يأمر بطرس بأن يحاول الصيد مرة أخرى.
لقد كان بحر الجليل مألوفًا لصيادي الأسماك وكانت بعض المدن قائمةً على شواطئه وكان كثيرون من الناس يعيشون من صيد الأسماك بإلقاء شباكهم في مياهه.
كان سمعان بطرس الذي من بيت صيدا قد اعتاد على إصطياد الأسماك في بحر الجليل مع أخيه أندراوس. فأحضر أندراوس أخاه سمعان إلى المسيح الذي أعطاه إسمًا جديدًا وهو «كيفا» أو بطرس وهما كلمتان كل منهما تعني صخرة أو صفا. نجد في الكتاب المقدس أن الصخرة هي رمز لله، لذلك فإن إعطاء يسوع هذا الإسم لسمعان عَنَى أنّ سمعان سيصبح إبنًا لله وشريكًا في الطبيعة الإلهية (٢بطرس٤:١). وهنا على بحر الجليل يأمر يسوع سمعان بأن يحاول الصيد مرة أخرى.
عندما أطاع بطرس وشركاؤه أمر يسوع، إصطادوا سمكًا كثيرًا جدًّا مما أدهش بطرس لدرجة أنه قال ليسوع: «أخْرُجْ مِنْ سَفِينَتِي يَارَبُّ، لأَنِّي رَجُلٌ خَاطِئٌ!» (لوقا٨:٥)، بيـد أن يسوع قال لسمعان بطرس أن لا يخاف وطلب إليه أن يتبعه وبعد قليل جعله أحد الرسل الإثني عشر (لوقا١٤:٦).
وهكذا نال بطرس صياد السمك البسيط إمتيازًا مُدهشًا وهو السير مع الرَّب يسوع المسيح مدة ثلاث سنوات. ومن أعظم اللحظات في حياة بطرس تلك اللحظة التي اعترف فيها بالمسيح أنه إبن ﷲ. فقد سأل يسوع تلاميذه مرة: «مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا إبْنُ الإِنْسَانِ؟» فَقَالُوا: «قَوْمٌ: يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ، وَآخَرُونَ: إِيلِيَّا، وَآخَرُونَ: إِرْمِيَا أَوْ وَاحِدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ». «قَالَ لَهُمْ:«وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟ فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَقَالَ:«أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ إبْنُ ﷲ الْحَيِّ!» (متى١٥:١٦-١٦).
إمتدح الرَّب يسوع بطرس على ذلك لأنه كان إعلانًا خاصًّا له من الآب السماوي، ثم وعد ببناء كنيسته وأعطى بطرس مفاتيح ملكوت السماوات. أما بطرس فلم يكن ينطق دائمًا بالكلمات التي أعطاها له ﷲ. ففي الأصحاح نفسه بالذات أخبر يسوع تلاميذه أنه ينبغي عليه أن يُقتَل وفي اليوم الثالث يقوم، فلم يستطع بطرس أن يفهم كيف أن إبن ﷲ ملك إسرائيل يمكن أن يُقتَل فقال: «حَاشَاكَ يَارَبُّ! لاَ يَكُونُ لَكَ هذَا!» فَالْتَفَتَ (يسوع) وَقَالَ لِبُطْرُسَ: «إذْهَبْ عَنِّي يَاشَيْطَانُ! أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي، لأَنَّكَ لاَ تَهْتَمُّ بِمَا لله لكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ» (متى٢٢:١٦-٢٣).
لم تكن هذه هي المناسبة الوحيدة التي أخطأ فيها بطرس في أقواله، فذات مرة تغيرت هيئة يسوع قدام تلاميذه وظهر له موسى وإيليا يكلمانه، فقال بطرس ليسوع: «يَا رَبُّ، جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ ههُنَا! فَإِنْ شِئْتَ نَصْنَعْ هُنَا ثَلاَثَ مَظَالَّ: لَكَ وَاحِدَةٌ، وَلِمُوسَى وَاحِدَةٌ، وَلإِيلِيَّا وَاحِدَةٌ» (متى٤:١٧). أراد بطرس بقوله المذكور تكريم المسيح والنبيين العظيمين موسى وإيليا. ولكن ﷲ القدير لا يشاء البتة أن يكون أي إنسان على نفس المستوى مع إبنه، ولذلك سُمع صوت من سحابة يقول: «هذَا هُوَ إبْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ. لَهُ إسْمَعُوا» (متى٥:١٧).
لقد قال ربنا يسوع لتلاميذه في أواخر حياته على الأرض بأنه سيُقبَض عليه ولهذا سيتركه كل تلاميذه ويهربون، لكن بطرس لم يستطع أن يصدق أنه هو نفسه سيتمكن من أن يعمل عملاً خسيسًا كهذا٬ ولذلك قال أنه لو تركه جميع تلاميذه الآخرين فإنه لن يتركه أبدًا. فأنذره الرَّب يسوع قائلًا: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ فِي هذِہِ اللَّيْلَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ دِيكٌ تُنْكِرُني ثَلاَثَ مَرَّاتٍ». قَالَ لَهُ بُطْرُسُ: «وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ!» (متى٣٤:٢٦-٣٥).
بعد قليل جاء يسوع وتلاميذه إلى بستان جسيماني، فتركهم يسوع وذهب ليصلي لأبيه السماوي. ولما عاد إليهم وجد بطرس والذين معه نيامًا، فقال لهم: «أَمَّا الرُّوحُ فَنَشِيطٌ وَأَمَّا الْجَسَدُ فَضَعِيفٌ» (متى٤١:٢٦).
عندما جاء جمع كثير للقبض على يسوع فكر بطرس أنه ينبغي أن يدافع عن سيّده فاستل سيفه وضرب رجلاَ فقطع أذنه ولكن يسوع أبرأ الرجل. وحينئذٍ تركه التلاميذ كلهم وهربوا أما بطرس فتبعه من بعيد.
بعد ذلك، أتوا بيسوع إلى دار رئيس الكهنة وحَكَم الكهنة عليه بالموت وبصقوا في وجهه المبارك. لقد أهانوه كثيرًا واستهزأوا به وضربوه ضربات كثيرة. كان بطرس جالسًا قرب النار فرأته جارية وقالت له: «وَأَنْتَ كُنْتَ مَعَ يَسُوعَ الْجَلِيلِيِّ!» (متى٦٩:٢٦) فأنكر بطرس قولها قدام الجميع. وأخيرًا، أقسم قائلاً: «إِنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ الرَّجُلَ!» (متى٧٢:٢٦)، وللوقت صاح الديك. فالتفت الرَّب يسوع ونظر إلى بطرس، فتذكر بطرس كلام يسوع وخرج إلى الخارج وبكى بكاء مرًّا.
ذهب الرَّب يسوع وحده إلى الصليب، وهو وحده إحتمل عقاب خطايانا. وفي أحلك لحظة وهو على الصليب صرخ قائلاً: «إِيلِي، إِيلِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟» (متى٤٦:٢٧).
إنّ الجواب عن هذا السؤال هو لأن ﷲ وضع عليه إثم خطايانا، وأخيرًا صرخ يسوع بصوت عظيم وقال: «قَدْ أُكْمِلَ» (يوحنا٣٠:١٩). لقد عنى يسوع بهذا القول أن العمل الضروري لخلاص البشر قد أكمل، وهكـذا مات.
ولكن ﷲ أقامه من بين الأموات في اليوم الثالث، ولما ذهب بطرس ويوحنا إلى القبر وجداه فارغًا، فعرفا حينئذٍ أن يسوع قد قام حقًّا. وبعد ذلك بقليل إلتقى يسوع ببطرس وسامحه على إنكاره له وأعاده لخدمته وأمره بأن يعلم المؤمنين الأحداث.
وهكذا، نرى أن سمعان بطرس بن يونا كان رجلاً عظيمًا. لقد كان مخلوقًا بشريًّا وإنسانًا مقصرًا لكنه صار عظيمًا. فقد جعله إقترابه من الرَّب يسوع المسيح عظيمًا.
لقد دعا بطرس نفسه رجلاً خاطئًا لكن المسيح سامحه لإيمانه. فالإيمان هو السبب الوحيد الذي لأجله يغفر المسيح خطايا كل إنسان يتوب. لقد مات المسيح وأكمل العمل وأنا أؤمن به حقًّا وهذا كل ما يلزم لمغفرة خطاياي.
لم يكن بطرس إنسانًا قد غفرت له خطاياه فحسب، لكنه أصبح رسولاً ملهمًا. لذلك فمن الضروري أن نسمع أقواله بانتباه. وفي مجموعة الدروس هذه سنتأمل في ما قاله بطرس وفي ما كتبه عندما كان هنا على الأرض، ولا شك بأنه يريد أن يقول هذه الأمور عينها في هذه الأيام أيضًا. فليُصغ جميع البشر إلى أقوال بطرس وليُصدقوها.