رسائل القراء
اكتب لنا رسالة جديدة



دورة: أحب المسيح الكنيسة - مجمل مبادئ الكنيسة

الدرس: الفصل الأول - الكنيسة التي هي جسده

>


الكنيسة التي هي جسده
لقد «أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا» (أفسس٢٥:٥). ولهذا علينا نحن أيضًا أن نحب الكنيسة ونسلِّم نفوسنا لأجلها. يجب علينا أن نُسلِّم نفوسنا في خدمة المحبة الفرِحة المضحيَّة المكرَّسة حتى تنمو الكنيسة على الأرض وتزدهر وتنتصر.
إنّ غرضنا من هذه الدراسة هو أن نستقصي بعض أهمّ المبادئ المعلنة في العهد الجديد التي تنظم مسلك الكنيسة وخصائصها. سيكون أسلوبنا في هذه الدراسة بوجه عام هو أن نستعرض الحقّائق الثابتة عن الكنيسة الجامعة وأن نبيِّن كيف أن كل إجتماع محلِّي يحمل مسؤولية الشهادة لهذه الحقّائق في الحياة العملية اليومية.
نود أن نشدِّد بالبداية على أن صحة مقام الكنيسة لا يجب أن يختلف عن صحة حالها وأن المؤمنين الذين يؤلفون الكنيسة المحلية يجب أن يكونوا هم أنفسهم شهادة حيَّة للحقّ. سيستمر هذا التشديد على مدار هذه الدراسات.
لننظر الآن إلى الكنيسة الجامعة ونبدأ بتعريفها ووصفها:
تعريف الكنيسة
إنّ كلمة «كَنِيسَة» في العهد الجديد هي ترجمة للكلمة اليونانية «إكليسيا» ومعناها «جماعة مختارة» أو «جمعية» أو «إجتماع». وقد استعمل استفانوس الكلمة في وصفه لبني إسرائيل بأنهم «الْكَنِيسَةِ (كلمة كنيسة أُخذت من كلمة "כנס- كِنِسْ" بالعبرية أي إجتماع) فِي الْبَرِّيَّةِ» (أعمال٣٨:٧) استُعمِلَت الكلمة عينها أيضاً في سفر الأعمال في وصف الغوغاء في مدينة أفسس (أعمال٣٢:١٩و٣٩و٤١). أما الإستعمال الأكثر شيوعاً للكلمة في العهد الجديد فيصف جماعة من المؤمنين بالرَّب يسوع المسيح. وهكذا يتكلَّم بولس عن «كنيسة ﷲ التي اقتناها بدمه» (أعمال٢٨:٢٠). وفي رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس يَقسِم الرسول الكبير العالم أقساماً ثلاثة هي اليهود، والأمم، وكنيسة ﷲ (1كورنثوس٣٢:١٠). ثم يتكلَّم عن كنيسة ﷲ باعتبارها تشمل جماعة المؤمنين المسيحيين الذين كان يضطهدهم قبل تجديده (١ كورنثوس٩:١٥).
كثيرًا ما يقال بأن الكنيسة ليست منظمة أو هيئة بل هي جسم حيّ، وهذا معناه أنها ليست منظمة لا حياة فيها بل هي جسد حيّ، فهي شركة واتِّحاد يضمّ جميع الذين يشتركون في حياة المسيح، الذي يربطهم معًا في إتِّحاد حي بروح ﷲ القدوس. لقد صَدَقَ من وصفها إذ قال أنها «شركة خالصة من أشخاص بدون مميزات المنظمات المعهودة».
يضفي العهد الجديد ألقابًا وصفية عديدة على الكنيسة ومن أنجح السبل لفهم ما هي الكنيسة هو أن نتأمل في معنى كل لقب. إليك أبرز التشبيهات لها:
١- قطيع  الخراف ( يوحنا١٦:١٠). كانت الأمة اليهودية حظيرة، أما الكنيسة فهي خراف أو قطيع أو رعية. فقد قال المسيح في يوحنا١٦:١٠ «وَلِي خِرَافٌ أُخَرُ لَيْسَتْ مِنْ هذِہِ الْحَظِيرَةِ، (بني إسرائيل) يَنْبَغِي أَنْ آتِيَ بِتِلْكَ أَيْضًا فَتَسْمَعُ صَوْتِي، وَتَكُونُ رَعِيَّةٌ وَاحِدَةٌ وَرَاعٍ وَاحِدٌ». وفكرة الرعية تعيد إلى الأذهان جماعة من المؤمنين المسيحيين يعيشون سويا تحت رعاية الراعي الصالح مشمولين بحبه، يسمعون صوته ويتبعونه.
٢- فلاحة ﷲ (١ كورنثوس٩:٣). الكنيسة هي بستان لله يريد أن يُنبِت فيه ثمرًا لمجده. وهكذا نرى أمامنا فكرة الإثمار.
٣- بناء ﷲ (١ كورنثوس٩:٣). وبهذا التعبير يصوَّر لنا ﷲ وهو يضع برنامجًا للبناء، فهو يضع في الكنيسة حجارة حية. يا له من أمر مهم جدًّا أن تكون حياتنا مكرَّسة لمشروع البناء الذي يهم ﷲ تلك الأهمية القصوى.
٤- هيكل ﷲ (١ كورنثوس١٦:٣). تذكرنا كلمة «هيكل» مباشرةً بفكرة العبادة، فالعبادة الوحيدة التي يقبلها ﷲ اليوم هي تلك الصادرة عن أولئك الذين هم أعضاء في الكنيسة.
٥- جسد المسيح (أفسس٢٢:١و٢٣).  إنّ الجسد هو الوسيلة التي يُظهِر الشخص بها ذاته. ولذلك فجسد المسيح هو الجماعة التي اختار الرَّب أن يظهر نفسه بها للعالم اليوم. وإذا ما أدرك المؤمن هذه الحقّيقة العظمى فلن يعود يستهين بأهمية الكنيسة، بل سوف يكرِّس نفسه بدون تحفُّظ لخدمة جسد المسيح.
٦- إنسان جديد (أفسس١٥:٢). تبرز هنا فكرة الخليقة الجديدة. ففي الكنيسة أُزيلَ الفرق الأعظم الذي كان سائدًا من قبل، ألا وهو التفريق بين اليهودي والأممي، وجعل ﷲ من الإثنين إنسانًا واحدًا جديدًا..
٧- مسكن لله (أفسس ٢٢:٢). يعني هذا التعبير أن ﷲ الآن يسكن في الكنيسة، لا في خيمة مادية أو هيكل ملموس كما كان الحال في العهد القديم.
٨- عروس المسيح (أفسس٢٥:٥-٢٧ و٢ كورنثوس٢:١١). تُبرِز هذه الفكرة عن الكنيسة فكرة المحبة: «أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا، لِكَيْ يُقَدِّسَهَا، مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ، لِكَيْ يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ كَنِيسَةً مَجِيدَةً، لاَ دَنَسَ فِيهَا وَلاَ غَضْنَ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مِثْلِ ذلِكَ، بَلْ تَكُونُ مُقَدَّسَةً وَبِلاَ عَيْبٍ». فإذا كان المسيح قد أحب الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها، فمن البديهي إذًا أن تمتلئ الكنيسة بالحب له.
٩- بيت ﷲ (١ تيموثاوس١٥:٣). توحي فكرة البيت إلينا بالترتيب والنظام، ففكرة الترتيب واضحة في  تيموثاوس١٥:٣) «فَلِكَيْ تَعْلَمَ كَيْفَ يَجِبُ أَنْ تَتَصَرَّفَ فِي بَيْتِ ﷲ». وأما فكرة النظام فواردة في (١ بطرس١٧:٤) «…ابْتِدَاءِ الْقَضَاءِ مِنْ بَيْتِ ﷲ».
١٠- عمود الحقّّ وقاعدته (١ تيموثاوس١٥:٣). كان العمود في القرون الأولى دعامة للبيت، كما كانت تُعلَّق عليه الإعلانات والنشرات، وهذا كان وسيلة للإعلان. أما «القاعدة»، فمعناها الحِصن والسند. وهكذا، تكون كنيسة ﷲ هي الوِحدة التي عيّنها ﷲ لنشر حقِّه ودعمه والمحاماة عنه. نستطيع إذًا أن نقول بحقّ أنه إذا ما أراد المسيحيون أن يكونوا سالكين في طريق مشيئة ﷲ وقصده فعليهم بالتالي أن يكرِّسوا أفضل جهودهم لإنتشار الكنيسة وازدهارها.
مُهِمَّة الكنيسة:
كثيرون هم الذين يفخرون اليوم بأن رسالتهم هي أن يبشروا بالإنجيل ولا يرون عليهم أي واجب تجاه الكنيسة. على أولئك أن يعرفوا أن خدمة بولس الرسول كانت ذات شقَّين:
أن يبشر «بين الأمم أَنْ أُبَشِّرَ بَيْنَ الأُمَمِ بِغِنَى الْمَسِيحِ الَّذِي لاَ يُسْتَقْصَى». وأن «…أُنِيرَ الْجَمِيعَ فِي مَا هُوَ شَرِكَةُ السِّرِّ الْمَكْتُومِ»، أي يعلِّمهم ويثبتهم في حقائق الكنيسة العظمى (أفسس٨:٣ و٩)
مصدر الكنيسة
إختلف الرجال العظماء والأتقياء إختلافًا بيّنًا بشأن الوقت الذي بدأت فيه الكنيسة. فإنّ كثيرين يعتقدون أن "الجماعة" هي استمرار لإسرائيل العهد القديم أو ناشئ عنه، بينما يشدِّد الآخرون على أن الكنيسة لم تكن معروفة في العهد القديم، وأنها بدأت في العهد الجديد. إليكَ الإعتبارات التي تساند الرأي الثاني:
يتكلَّم الرسول بولس في (أفسس٤:٣و٥) عن الكنيسة بأنها  «سرّ المسيح الذي في أجيال أُخَر لم يُعَرَّف به بنو البشر كما قد أعلن الآن لرسله القديسين وأنبيائه بالروح». ويقول أيضاً في (عدد9) أن الكنيسة هي «السِّرِّ الْمَكْتُومِ مُنْذُ الدُّهُورِ فِي ﷲ». (أنظر أيضاً كولوسي٢٦:١ ورومية٢٥:١٦و٢٦). وهكذا كانت الكنيسة سراً في ﷲ طيلة أزمنة العهد القديم ولم تعلن إلا عند ظهور رسل العهد الجديد وأنبيائه.
قال الرَّب يسوع في (متى١٨:١٦) «عَلَى هذِہِ الصَّخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي». أي أن الكنيسة في ذلك الوقت كانت في حكم المستقبل.
يؤكد بولس في (أفسس٨:٤-١١) أن المسيح المقام والذي صعد إلى السماء هو الذي أعطى الكنيسة عطايا. وهذا برهان قوي على أنه لو كانت الكنيسة موجودة قبل صعوده لأعوزتها العطايا اللازمة لبنيانها.
نحن نؤمن أنه ليس من اليسير فحسب أن نثبت أن الكنيسة بدأت في العهد الجديد، بل إنها ولدت يوم الخمسين على وجه التحديد.
يقول الكتاب إن جسد المسيح تكوَّن بواسطة المعمودية بالروح القدس (١ كورنثوس١٣:١٢). فهل يمكننا أن نحدِّد متى كانت المعمودية بالروح القدس؟  (أعمال٥:١)، وقبل صعود الرَّب مباشرة وعد رسله قائلاً: «وَأَمَّا أَنْتُمْ فَسَتَتَعَمَّدُونَ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ، لَيْسَ بَعْدَ هذِہِ الأَيَّامِ بِكَثِيرٍ». وفي يوم الخمسين «وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَابْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى كَمَا أَعْطَاهُمُ الرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا» (أعمال٤:٢
أما عندما نصل إلى (أعمال١١:٥) نجد أن الكنيسة قد برزت فعلاً إلى عالم الوجود لأننا نقرأ «فَصَارَ خَوْفٌ عَظِيمٌ عَلَى جَمِيعِ الْكَنِيسَةِ…». إن ذلك يوضح بجلاء عظيم أنّ يوم مولد الكنيسة هو يوم الخمسين.