دورة: نبوءة الكتاب المقدس

الدرس: الفصل الأول - ملخّص سريع النبوءات

>


ملخَّص سريع للنبوّات
على الرغم من أن نبوَّة الكتاب المقدس تُعتبر موضوعًا غامضًا لدى البعض، إلا أننا نعتقد أن هذا لا يُعدَّ مبرِّرًا لتجنُّبها، ولو حدث ذلك فعلاً سنحرِم أنفسنا من جانب في غاية الأهمية من الكتاب المقدس مما سيجعلنا ننظر إلى ﷲ بصورة مُريبة. فإذا كان هناك تعليم ما في الكتاب المقدس لا يُفهم بصورة صحيحة فذلك لا يعني بالضرورة تفاديه، بل على العكس ينبغي أن يزيدنا إصرارًا على فهمه ونشره للآخرين.
علينا أن نذكر من البداية أن هناك ثلاث مدارس أساسية لتفسير النبوّات بين المؤمنين في يومنا هذا وهي: (١) المدرسة اللّا ألفية التي ترفض فكرة المُلك الألفي. (٢) إختطاف ما بعد الضيقة. ( ٣) إختطاف ما قبل الضيقة.
لفهم هذه المسائل. من الضروري قول كلمة تمهيدية هامة. على الطالب أن يضع في باله الترتيب التالي للأحداث:
سيأتي الرَّب في الهواء لإختطاف الكنيسة عروسه إلى السماء.
سيعقُب ذلك فترة ضيق على الأرض عادة ما تسمى بالضيقة العظيمة.
ستنتهي تلك الضيقة بعودة الرَّب إلى الأرض لتأسيس ملكوته الألفي ليملك على الأرض لمدة ألف سنة.
تؤكِّد مدرسة «قبل الضيقة» بأن الكنيسة الحقيقية، التي هي جسد المسيح، ستُختَطف قبل إنسكاب غضب ﷲ على الأرض. إنّ هذه الدورة تتمسك بهذه النظرية.
أما بالنسبة إلى مدرسة «بعد الضيقة» فهي تعني أن الكنيسة ستُخَتطف لتكون مع المسيح في ختام فترة الضيقة العظيمة.
إنَّ مدرسة «اللّا ألفية» فتعني: «…أنّهُ لن يكون هناك ملكوت ألفي آخر غير ذلك الذي يُفترض بأنه في مراحل تأسيسه في الزمن الحاضر… فلن يكون للمسيح بالجسد أي ملكوت ألفي من أي نوع على الأرض. وهذه النظريّة تعلِّم بأن الكنيسة هي المملكة وبالتالي فإنها تملك الآن أو يجب عليها أن تملك الآن» (في كتاب  Systematic Theology «التعليم النظامي» لمؤلفه شيفر، المجلّد السابع، صفحة273 ـ283. يُعرِّف د. شيفير هذه النظرية لكنه لا يساندها). إنّ مؤيدو اللّا ألفية يدَّعون بأنهم وجدوا دعمًا لهذه الموقف بواسطة إقتباسات عديدة في العهد الجديد لنصوص العهد القديم، وهي نصوص موجَّهة في الأصل لبني إسرائيل، ويطبّقها كُتّاب العهد الجديد على المؤمنين في هذا العصر. بسبب هذه الإقتباسات والتطبيقات يستنتج دعاة اللّا ألفية أن النبوَّة تتم بصورة مفصَّلة في المسيحية وأن الكنيسة المسيحية اليوم هي إسرائيل الحقيقية. في ضوء هذا الإستنتاج لا يوجد مكانًا لإسرائيل في المستقبل الآتي أو لأي ملكوت حَرفي يتأسّس على نطاق عالمي تحت سيادة المسيح.
إننا نعتقد بأن هذا خطأ كبير. صحيح أن الروح القدس يستشهد بعدّة عناصر من نبوّات العهد القديم في العهد الجديد ويطبقها على الكنيسة إلا أنه من الضروري أن نفرِّق بين التفسيرات الأساسية والتطبيقات الثانوية. فالتفسيرات الأساسية يجب قبولها في ضوء العناصر والعوامل المتعلقة بالسياق. أما تطبيقات بعض هذه التجارب والبركات على المؤمنين اليوم فتشير بكل بساطة إلى أن المؤمنين يتمتعون بالفعل ببعض الميِّزات الروحية التي سيتمتع بها إسرائيل والأمم في النهاية عندما يتصالحون مع ﷲ. يُعرف هذا المبدأ بإسم «قانون الإشارة المزدوجة»، وسندرسه بالتفصيل فيما بعد.
أما الآن، فسنتعمّق بما يلي:
 (١) غرض النبوَّة (٢) الشخص موضوع النبوَّة ( ٣) خطّة النبوَّة.
(١) غرض النبوَّة:
إنّ النبوَّة ليست موجَّهة للعقل بقدر ما هي موجَّهة للقلب، ولا يُقصد منها أن تكون عملية ذهنية بحتة بل تجربة يمر بها المرء. ولو عرفنا مخطّطات السماء نحو المستقبل لَوَجَبَ علينا طاعة المسيح اليوم (يوحنا١٥ :١٤-١٥). يوجد هناك نقطة لها دلالة هامة وهي: صحيح أن لوط كان إبنًا لله (٢بطرس٢ :٧-٨) لكنه لم يعرف شيئًا عن هلاك سدوم الوشيك إلّا قبل وقوع القضاء عليها بساعات قليلة، أما إبراهيم فقد أفضى إليهِ ﷲ بهذا الأمر قبل حدوثه بوقت طويل. لم تكن هذه المعاملة تعسُّفية من قبل ﷲ للوط فالله ليس لديهِ محاباة. لكن، لماذا فضَّل ﷲ إبراهيم إذًا؟ نجد الإجابة في حياة التّكريس والطّاعة التي عاشها إبراهيم لمشيئة ﷲ، في الوقت الذي كان به لوط يُساوِم على خطيئة سدوم (أعِد قراءة تكوين١٨و١٩).
كما أنَّ المسافر الذي ينوي الذهاب إلى بلد بعيدة وغريبة يستعدّ مسبقًا لأيام وأسابيع بأن يتعرَّف على كل ما يتعلق بالمكان مثل اللغة والعادات السائدة بها والظروف المناخية، فإنّ معرفتنا بالنبوّات المتعلِّقة بالمستقبل مُقدّمة لنا حتى يتسنَّى لنا العيش في ضوئها. إذًا فالغرض من النبوَّة هو إلقاء شعاع من المستقبل على سلوكنا في الوقت الحالي حتى نتشكَّل بحسبه، كما كُتب في ١يوحنا٣:٣: «وَكُلُّ مَنْ عِنْدَہُ هذَا الرَّجَاءُ بِهِ، يُطَهِّرُ نَفْسَهُ كَمَا هُوَ طَاهِرٌ».
(٢) الشخص الذي هو موضوع النبوَّة:
نستطيع أن نعكس العبارة التي جاءت في رؤيا١٩ :١٠ القائلة: «إِنَّ شَهَادَةَ يَسُوعَ هِيَ رُوحُ النُّبُوَّةِ» ويظل الأمر صحيحًا. وفي الواقع، إنّ هذا الوضع المعكوس أقرب إلى المعنى الحقيقي، لأن «روح النبوَّة هي شهادة يسوع». يعني هذا أن المسيح هو موضوع كل نبوّات الكتاب المقدس وأن كل جزء فيها يتعلَّق به سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فهو موضوعها الأساسي وفيه تتجمَّع كل الخطوط. فإنّ موسى، كاتب أول جزء من الكتاب المقدّس، كَتب عنه (أنظر يوحنا٥ :٤٦)؛ ويوحنا الذي كتب آخر سفر في الكتاب المقدس أعطانا «إِعْلاَن يَسُوعَ الْمَسِيح» (رؤيا١:١). فالحقيقة هي أن «لَهُ يَشْهَدُ جَمِيعُ الأَنْبِيَاءِ» (أعمال١٠ :٤٣).
تقدِّم النبوَّة لنا المسيح في أمجاده المختلفة كنبيّ وكاهن وملك، فهو النبيّ ذو السلطان في تثنية١٨:١٨-١٩ وكاهن على رتبة ملكي صادق في مزمور١١٠ :٤ والمَلِك العادل في مزمور٢ :٦ وإشعياء٣٢ :١.
إذا عجزت دراستنا لهذا الموضوع عن إظهار يسوع المسيح لنا كشخص حقيقي، فسوف تفشل في تحقيق الهدف الأسمى. فالمسيح وأمجاده يملآن المستقبل، والمؤمن مُتَّجه لكي يشارك بهذه الأمجاد، فهذا يسلَّحه بالشجاعة ليتألم ويخدم  في الوقت المتاح له.
(٣) خطّة النبوَّة:
«كُونُوا بِلاَ عَثْرَةٍ لِلْيَهُودِ وَلِلْيُونَانِيِّينَ وَلِكَنِيسَةِ ﷲ» (١كورنثوس١٠ :٣٢). ترتبط مواضيع النبوَّة بصفة عامّة بهذه الفئات الثلاثة، فلا ينبغي أن نقصد بمصطلحي «اليهود» و«اليونانيين» الفئتين الصغيرتين من الجنس البشري، بل إنهما ذرية إبراهيم مقابل الجماهير الضخمة المعروفة بإسم «الأمم». كما لا ينبغي أن  نقصد بِ «كنيسة ﷲ» الجماعات التي تتكون من المسيحيين الإسميين، بل هي هذا العدد المحدود من المؤمنين المولودين ثانيةً.
يرتبط الجزء الأكبر من نبوّات الكتاب المقدس بأمّة إسرائيل المشار إليها هنا بِ «اليهود». إنَّ القسم الأكبر من العهد القديم المعروف بإسم الأنبياء الكبار والأنبياء الصغار يتعلَّق بشكل كبير بنبوّات تخصّ هذا الشعب. على الرغم من أن المؤرِّخ "العالمي" قد يولي أهمية كبيرة لقيام وسقوط ممالك الأمم العظمى، إلاّ أننا نقرأ عنها في الكتاب المقدَّس من جانب تأثيرها على شعب ﷲ الأرضي. سندرس السبب وراء هذا في فصل لاحق لكن لا بدّ أن نضع في فكرنا أن كلمة ﷲ النبوية تفرق بين نسل إبراهيم ( الذي يُسمى أحيانًا ببني إسرائيل أو حتى باليهود) وبين اليونانيين (الذين يُسمون أحيانًا بالأمم أو بالوثنيين).
لكن يوجد من لا ينتمي لا إلى اليهود ولا إلى الأمم! وهم يُعرفون بإسم «كنيسة ﷲ». فالكنيسة هي «الْمُقَدَّسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، الْمَدْعُوِّينَ قِدِّيسِينَ» (1كورنثوس1 :2). ويُقال عنها أنها جسد المسيح (١كورنثوس١٢ :٢٧؛ أفسس١ :23… إلخ). إنها ليست طائفة أو هيئة لكنها جماعة تميِّزها حياة المسيح رئيسها الممجَّد في السماء. لا يوجد وسط هذه الجماعة يهودي أو أممي بل الكل واحد في المسيح يسوع (إقرأ بتمعُّن ١كورنثوس١٢:12-٣١).