دورة: ثبّت قدماي

الدرس: الفصل الأول - طبيعة المسيحية الكتابية

>


طبيعة المسيحية الكتابية

سؤال مثير!

هل استطيع معرفة ما هي المسيحية الكتابية؟

من الممكن أن يسيئ المسيحي الجدِّي فهم حقائق المسيحية لأن تعليمه كان سطحيا ولذلك لا يمكنه تطبيق الحياة المسيحية بصورة حسنة. أحد الأسباب الرئيسية للضعف ولخيبة الأمل والإحباط في الحياة المسيحية ينبع من الفشل في فهم طبيعة الحياة المسيحية. لا يمكنك أن تمارس وتتمتع بما لا تعرفه. شرط العبادة الحقيقية هو الحق، والحق يجب أن تتعلمه. الذين يتعاملون مع قوانين الفيزياء يجب أن يكونوا خبراء في مجالهم، يجب أن يتعلموا طبيعة ومميزات القوانين الخاصة بدائرة اختصاصهم. لا يكفيهم التخمين. لا يوجد بديل للمعرفة في عمل المهندس أو الطبيب أو عالم الرياضيات أو الفيزيائي. كذلك الرغبة وحدها لا تكفي  لشاب يريد بناء جسر. يجب أن يتعلم القوانين التي تتحكم في بناء الجسور وكيف يستغلها عملياً.

هكذا المؤمن أيضا، يجب أن تكون عنده أكثر من مجرد الرغبة ليعيش ناجحا.ً مهما كانت الرغبة شديدة فهي غير كافية، ومَثَلهُ مثل المهندس، يجب أن يتعلم الحقائق المسيحية وكذلك كيف يطبقها، وعندها فقط يكون قد حصل على الشروط التي تمكِّنه أن يعيش حياة منتصرة.

أحد العوامل المهمة التي تؤدي إلى سوء فهم المسيحية هو الفشل في التميّيز بين المبادئ الكتابية وبين التطبيق “المسيحي”. ما يمارسه المسيحيون والكنيسة ليس بالضرورة هو الحق. على الفرد أن يتعلم كيف يقيٍِِِِِّم ادعاء المسيحيين والكنائس من خلال المبادئ والحقائق الكتابية. كثيرون من المسيحيين وغير المسيحيين يرتبكون بسبب التعاليم السطحية أو الممارسة غير السليمة.

وهنا يصح أن نسأل، «هل حقاًَ اعرف المسيحية الكتابية؟» كثيرون هم الذين لا يريدون أن يُسألوا مثل هذا السؤال وآخرون عديدون لا يستطيعون اعطاء الإجابة الصحيحة. كل تردد في هذا المجال يؤدي إلى الفشل.

اعتقاد أساسي:

المسيحية مؤسسة على إعلان إلهي.

لم تُقدم لنا المسيحية بما يشبه قطعة الطين، والتي يمكن أن نشكل منها أشكالا  عديدة. لقد أعلن الله ذاته لنا من خلال يسوع المسيح. وهذا الإعلان هو الأساس والبناء وفحوى المسيحية الحقة. وهذا الإعلان هو الحق المطلق لنا.

بما أن المسيحية الحقة هي نتيجة للإعلان الأكيد، يتضح لنا أن أي تلاعب أو تفسير خاطئ لرسالة هذا الإعلان يُنتِج مسيحية غير حقة. وهذا ما قد حصل بالفعل عندما ننظر إلى عالمنا المتدين اليوم.

يمكن التشديد على أهمية هذا الإفتراض. قوة الإيمان والممارسة هي إعلان إلهي فلذلك لا تكمن هذه السلطة في الكنيسة ولا في قادة الكنيسة ولا في الإختبار الديني سواء كان شخصيا أو مشتركاً. الله حق وقد أعلن ذاته وإرادته. هذا الإعلان سجل بكل سلطان في الكتاب المقدس.

لكي تكون مسيحيا حقيقيا وتعيش حياة مسيحية يجب أن تبدأ، كما المهندس، بقبول السلطة العليا. يجب أن تنحني بخضوع أمام الله وإعلانه. لا يستطيع المهندس اختيار القوانين التي توافقه ويرفض الباقي، ليكون ناجحا عليه أن يقبل كل القوانين ومتطلباتها المطلقة. وهذا ينطبق على المسيحي.

الأذى الكبير يحصل نتيجة إهمال بعض المهندسين والأطباء وغيرهم من أصحاب المهن. وأذى أعظم قد حل في المجال الروحي.  لقد وضع أناس كثيرون حياتهم ومصيرهم في تفسير خاطئ  للكتاب المقدس. حياةً ومواهبا ووقتا ومالا ضاع هباء، الحرية والقوة والنجاح يتبع معرفة الحق وممارسته. عندما لا يُعرف الحق ويُمارس الجهل يكون الأذى كبيرا.

أعلن الله لنا ذاته بالمسيح يسوع وبالتاريخ كما وَردَ في الكتاب المقدس. ومن هنا علينا أن نبدأ. يجب أن نكون مستعدين لنذهب إلى السلطة المطلقة ونفحص إيماننا وممارساتنا.

لقد أعلن الله ذاته بطريقتين – بإعلان عام وبإعلان خاص. بالإعلان العام يُقصد البراهين الواردة بالخليقة مثل تصميمها واستقرار النواميس والقيم الإنسانية وضمير الإنسان الذي يشير إلى الخالق (مزمور١:١٩؛ رومية٢٠:١؛ ١٤:٢، ١٥). أعلن الله ذاته من خلال أعماله.

بالإعلان الخاص نقصد توصيل الحقائق الإلهية. عندما أظهر الله نفسه فادياً لشعبه وقد تُوِّج هذا الإعلان الخاص بتجسد يسوع المسيح كالكلمة الحية وتتمة للكلمة المكتوبة التي هي الكتاب المقدس (عبرانيين١:١-٣؛ ١كورنثوس١:١٥-٤)

هذا التعبير «إعلان» يستعمل في هذه الدروس للدلالة على الإعلان الروحي إلا إذا ذكر بمعنىً آخر.

مفتاح النّجاح: إقبل وأطِع إعلان الله كسلطة مطلقة.

وجهة نظر مهمة:

المسيحية تدور حول شخص يسوع المسيح.

في العهد القديم قال يسوع ما قبل التجسد لإبراهيم: أنا ترس لك. أجرك كثير جداً (تكوين١:١٥). وقال لموسى: إني اكون معك (خروج١٢:٣) كلم إسرائيل بالنبي هوشع قائلاًَ: عليّ عونك (هوشع٩:١٣). وعلى فم إرميا تكلم إلى يهوذا قائلاً: تركوني أنا ينبوع المياه الحية (إرميا١٣:٢).

العهد الجديد يقدِّم نفس الرسالة. قال الرب يسوع المسيح لكل من بطرس واندراوس: هلما ورائي (متى١٩:٤). وقال ايضا: «تعالوا إلي… وأنا أريحكم» (متى٢٨:١١). وقال: أنا هو نور العالم (يوحنا١٢:٨) أنا هو القيامة والحياة (يوحنا٢٥:١١) أنا هو الطريق والحق والحياة (يوحنا٦:١٤) بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً (يوحنا٥:١٥).

ونفس التشديد نجده في رسائل العهد الجديد التفسيرية للمسيحية. قال يوحنا، «أما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه» (يوحنا١٢:١). أما بطرس فقال: «كما أن قدرته الإلهية قد وهبت لنا كل ما هو للحياة والتقوى بمعرفة الذي دعانا» (٢بطرس٣:١). بولس علم أن الله باركنا بكل بركة روحية… «بالمسيح» (أفسس٣:١) وصلى لكي يعطي الله المؤمنين روح الحكمة و ومعرفته (أفسس١٧:١). وقال بولس عن حياته الروحية «يسوع يحيا فيَّ» (غلاطية٢٠:٢) «لأن لي الحياة هي المسيح» (فيلبي٢١:١) و «لكي أعرفه» (فيلبي١٠:٣).

الرسالة المتشابهة معلنة أيضاً في تفسير العقائد المسيحية. يسوع المسيح هو موضوع الإيمان (أعمال٣١:٦)؛ مصدر الحكمة والمعرفة (كولوسي٣:٢)؛ مخلص العالم (١يوحنا١٤:٤)؛ رأس الكنيسة (أفسس١:٢٢)؛ سلام المؤمنين (أفسس١٤:٢)؛ لنا حكمة من الله وبراً وقداسةً وفداءً (١كورنثوس٣٠:١)؛ قوة الله (١كورنثوس٢٤:١)؛ الذي به المؤمنون مملوئين (كولوسي١٠:٢).

فواضح أن المسيحية إيمان، مجموعة عقائد وعلاقة، مبادئ، أسلوب حياة، شكل من أشكال الخدمة، رجاء حيّ، ناموس مُتطلِّب، خلاص مُغيِّر وهذه كلها مؤسسة فيّ وتدور حول شخص يسوع المسيح ابن الله. فالمسيحية أولاً هي يسوع المسيح.

تحذير مهم

كثيرا ما تُحرّف المسيحية.

التحريف الديني ليس دائما نتيجة الإلحاد والأغناطوسية لكنه قد يحصل أيضاً على يد مسيحيين ذوي نوايا حسنة. ولكي يعالج البعض فشلا في الممارسات فيُغالون في التشديد على إحدى النواحي. وعندما تصبح هذه الناحية العامل المركزي في المسيحية يحصل الإنحراف. هنالك على الأقل أربعة انحرافات شائعة في تعاليم الكنيسة اليوم:

١. أحد الإنحرافات الشائعة اليوم هو الفهم المغلوط أن المسيحية تدور حول الكنيسة مع أنه في قراءة سطحية للعهد الجديد يدل على أهمية هذه المؤسسة الإلهية مع أن الله لم يؤسسها لتكون مركز حياتنا. هذا المركز يجب أن يقتصر على يسوع المسيح، رأس الكنيسة. كثيرون في ايامنا قد حلت عندهم الكنيسة محل المسيح. وبفعل الغيرة (الحماس) التي ليست في مكانها أخذوا الثانوي وجعلوه أولياً.

عندما تصبح الكنيسة العامل المركزي في المسيحية تُستعمل في ثلاث طرق. تكون الكنيسة كمصدر الروحانية أو كوسيلة للحفاظ على الروحانية أو كمقياس اساسي للروحانية. وللإجابة عن السؤال «كيف يمكنني أن أصبح شخصاً روحانيا وأحافظ على روحانيَّتي؟» يكون الجواب، «اُحضر الكنيسة».

الروحانية ليست نتيجة آلية لحضور الكنيسة وهي ليست بحد ذاتها أداة لقياس  الروحانية او عدمهاً، للكنيسة مكانتها المخصصة المقدسة والهامة. وهي ليست على أي حال العلاج. من الممكن أن يحضر شخص الكنيسة باستمرار ولا يفطن أن المسيح هو راس الكنيسة.

٢. انحراف آخر شائع في المسيحية هو مجموعة من الشرائع. وفي هذا الحماس في التفسير الخاطئ تصبح القوانين مركز المسيحية ويلتزم الجميع  بالدوران حول ممارسات محددة في حياتهم ويزداد التشديد على كمية «الممنوعات» في الحياة «المسيحية». المسيحي هو كل من يتوقف عن القيام ببعض الأمور.

مفتاح الروحانية في طريقة التفكير هذه هو إطاعة بعض القوانين إطاعة عمياء من كل القلب. إطاعة هذه القوانين ضمان وعلامة مميزة للروحانية كما يدّعون.

ليس من شك أن الكتاب المقدس يشدد على الطاعة كما وتوجد عدة وصايا في الكتاب المقدس على المسيحي أن يطيعها. لكن هذه الوصايا ليست هدفاً بحد ذاتها لأنها قد أعطيت لنا كوسيلة بها نطيع الله. على المؤمن أن لا يطيع الوصايا فقط، عليه أن يطيع الله بالمحافظة على وصاياه. لهذا السبب نرى العلاقة الوثيقة ما بين المحبة والطاعة في الكتاب المقدس (يوحنا١٥:١٤، ٢١، ٢٣؛ ١٠:١٥؛ ١يوحنا٥:٢؛ ٣:٥؛ ٢يوحنا٦). عادة لا يكتفي الناموسي بوصايا الكتاب المقدس لأن هناك حاجة لاختراع وصايا جديدة وبطريقة أو باخرى تصبح اعوجاجاً لتطبيق المبادئ الكتابية. وهكذا يختفي الله والمحبة والحرية الشخصية. من السهل إطاعة قوانين الناموس وحتى وصايا الكتاب المقدس ومع ذلك لا يعطي الإنسان إلهه المكان الأول.

٣. إنحراف ثالث في المسيحية يمكن تسميته بالعاطفة أو التشديد على الإختبار الديني. يمكن الإعلان عن اختبار معين على أنه سر الروحانية والعلامة المميزة للشخص الروحاني. وبهذا تستبدل سلطة الإعلان المقدس بسلطة ذاتية شخصية. لربما تكون تعزية وراحة لبعض الناس الحصول على إحساس روحاني داخلي والقدرة على الإتيان بإعلانات من الحماس الديني مع أن هذا لم يذكر في الكتاب المقدس على أنه من جوهر المسيحية.

الإختبار الديني والإحساس العاطفي هما جزء من المسيحية الكتابية. وهذه تاتي كنتيجة وليس بسبب عمل النعمة. ليس بالضرورة أن لا يكون الإنسان مستقيما مع الله لأن شعوره يشهد له بذلك. يعرف عن غير المسيحيين أنهم قادرون على الإتيان باختبارات دينية معقدة ومستمرة.

عندما نجعل المسيحية تدور حول العاطفة والإختبار الديني وليس حول شخص يسوع المسيح يكون خطر تحول السلطة من الله ومن إعلانه إلى أنفسنا وإلى اختباراتنا. لربما ينشغل الفرد كثيرا باختباراته حتى أنه يغفل عن المسيح الذي هو قداسة المؤمن (١كورنثوس٣٠:١).

٤. مثال رابع للانحراف يمكن أن تمر به المسيحية هو المغالاة في التشديد على الخدمة المسيحية. إحدى الخدمات أو أكثر توضع في مركز المسيحية وهنا تصبح الخدمة المسيحية مصدر الروحانية وأسلوب المحافظة عليها. الروحانيون هم الذين يقومون بخدمة مقولبة تدور حول الكنيسة في معظم الحالات.

لا شك في أن الكتاب المقدس يُحمّل المؤمن مجموعة من الإرساليات. أن تكون مسيحيا يعني أن تكون عاملا. وما قيل أعلاه عن إطاعة الله ينطبق هنا أيضاً. الخدمة المسيحية ليست هدفاً بحد ذاتها. إنها طريقة فيها نحب الله ونعبده ونطيعه بالعمل. يمكن أن تنشغل كليا بالخدمة ومع هذا لا تخدم الله وكثيرا ما تخدم الكنيسة أو الراعي أو حتى ضميرك.

المسيحية لا تدور حول نوع من الخدمة، بل تدور حول شخص يسوع المسيح. من الممكن أن تقوم بعدة خدمات مسيحية وان لا تكون ملتزماً لرب الحصاد.

كمسيحيين يجب أن نأخذ موقفاً حازما ضد أنفسنا وضد الإنحرافات المسيحية. إنه من السهل ولكنه خطية أن ننقل محبتنا وتكريسنا من الله إلى موضوع له علاقة بالله. وعندما يحدث هذا، نكون محبين للتدين أكثر من محبتنا لله. الله فقط يجب أن يكون موضوع محبتنا.